والعرب تقول : كلّ بقرة خنساء ، وكلّ ناقة علماء ، وكلّ شجرة ليناء أي : تخرج الصمغ ، وكلّ فحل يمذي ، وكلّ أنثى تقذي ، وكلّ طائر مخزوم أي : مشقوق الأنف . فلما رآني أهذر باللغة كالطير ، حسر اللثام عن وجهه ، وقال : أراك مفوّها منطيقا ، أفلا أسلك ؟ قلت : سل . فقال : أسلك عن أشياء في القرآن ، منها ما تعلم ومنها ما لا تعلم ، فأخبرنا عما تعلم منها . قلت : إذا سألتني عمّا أعلم عرّفتك ، وإذا سألتني عمّا لا أعلم قلت : لا أعلم ، تأوّلت فيه قول عاقل الشعراء :
إذا ما انتهى علمي تناهيت دونه * أطال فأملى أم تناهى فأقصرا
فقال لي : ما الكدية في القرآن ؟ وما المنية ؟ وما جمالات صفر ؟ وما معنى :
فَمَرَّتْ بِهِ
؟ [ سورة الأعراف ، الآية : 189 ] وما معنى :
كَلَّا لا وَزَرَ
؟ [ سورة القيامة ، الآية :
11 ] فقلت له : أمّا الكدية والمنية فليستا في القرآن ، فإن أحببت أن أفسّرهما لك من اللغة فسّرت . قال : بلى ، هو في القرآن :
أَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى
[ سورة النجم ، الآية :
34 ] . قلت له : إنّ هذا القرآن لا يخلط به شيء من كلام الآدميين . قال : ففسّر لي القرآن .
فقلت : معنى قوله :
أَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى
[ سورة النجم ، الآية : 34 ] أي : قطع العطيّة ، مأخوذ من الكدية ، وذلك أنّ العرب تقول : حفرت البئر فأعييت . أي : وصلت إلى الماء ، وحفرت فأسهبت . إذا بلغت الكثير من الماء . وحفرت فأبرضت . أي : صادفت برضا أي :
قليلا من الماء ، أنشدنا ابن دريد :
أرمّق العيش على برض فإن * رمت ارتشافا رمت صعب النتشا
أراجع بي الدهر حولا كاملا * إلى الذي عوّد أم لا يرتجى
إنّ الجديد من إذا ما استوليا * على جديد أدنياه للبلى
وحفرت فأجبلت . أي : صادفت جبلا . وحفرت فأكديت . أي : بلغت الكدية ، وهو حجر لا يعمل فيه المعول ، فينقطع عن الحفر . قال : فالمنية في القرآن . يعني قوله :
مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى
[ سورة النجم ، الآية : 46 ] يقال : أتت الناقة على منيتها . وذلك إذا