قضى وطره من العلوم وأراد في زيادة ما له عنه غنى ، فينبهه على أن الاشتغال بذكر المولى هو الأولى ، وبنى مدرسة عالية في المدينة المنورة بباب البقيع ثلاث طبقات مشتملة على جميع ما يحتاج إليه من خزانة الكتب ومحل التدريس ومحل اجتماع الإخوان للذكر ، وكان ذلك بمجرد علو الهمة ومحض فضل اللّه تعالى ، وكان عاشقا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فانيا فيه ، وأوصافه باقية به وبأسراره وأنواره . وكان صحيح الكشف ، وصادق الفراسة ، وكثير الإشراف على بواطن المريدين وقويّ التصرف فيهم ، وصاحب خوارق العادات وأنواع الكرامات .
وكان من عاداته الشريفة ختم القرآن الكريم في كل أسبوع مرة واحدة وختم صحيح البخاري في كل شهر ، وختم صحيح مسلم في كل عشر ذي الحجة ، وصوم عشر كل محرم ، وصوم يوم الاثنين والخميس وأيام البيض ، وكل ذلك مع اجتماع الإخوان للختم وأخذ التوجه منه في كل يوم ثلاثة أوقات : بعد الإشراق ، وبعد الظهر ، وبعد المغرب ، وقت زيادة طول الليالي على النهار ، وبعد العصر في عكسه .
وكان يدرس في العلوم الظاهرة في أثناء ذلك من الأحاديث النبوية وكتب الصوفية خصوصا مكتوبات الإمام الرباني قدّس سرّه . وله رسائل لطيفة في آداب الطريقة ، ومناقب والده الماجد صغرى وكبرى .
* * *
ومن كلماته القدسيّة
إن أهم ما ينصح به الإخوان الكرام أن يكون شغلهم باللّه تعالى على الدوام ، وأن يصرفوا جميع هممهم إلى ذكر اللّه الملك العلّام بلا غفلة لمحة عنه سبحانه حتى يحصل الحضور التام ويزول التعلّق حبّا وعلما بما سواه من الأنام .
وقال : خلاصة الحياة الطيبة تفويض الأمور إلى اللّه تعالى ورؤية تقلب الأحوال من تقدير الملك المتعال ، وعدم التكلم بلم وكيف في الوقائع والحوادث ، وترك المعارضة وعدم المضايقة مع الكون الحادث ، وتقوية القلب بتفكر مواعيد الحق تعالى ، وتذكّر خزائنه الغيبية ، واليأس من نفسه ومن الخلق بالكلية .
وقال : من آثار المحبة إيثار ما تحب لمن تحب بكمال الرغبة والسرور ، فمدعي المحبة إن خالف المحبوب وهرب من بلائه فهو كاذب مغرور وإن زعم أنه مع ذلك مقبول فهو شقي مهجور .