ولا يخفى ما في ضمن هذا الحديث من البشارة لأرباب الإشارة من أنه لا بد في هذا الطريق الموروث من صاحب الترجمة من وجود المجاهدات والمشاق ومقاسات الشدائد في أولها ، وظهور التجليات في آخرها ، وترتب الفتوحات عليها .
ولما فتحت بلاد العجم واستولى جيوش الإسلام على مدائن كسرى ، سلم ولايتها لسلمان الفارسي ، رضي اللّه عنه ، فكان بقية عمره واليّا هناك ، وكان يأكل من شغل يديه . وقد كان أميرا على ثلاثين ألفا من المسلمين وعطاؤه خمسة آلاف ، وكان يخطب الناس في عباءة يفرش بعضها ويلبس بعضها ، ولم يكن له بيت بل كان يستظلّ بالفيء حيثما دار ، وكان يعجن عن الخادم حين يرسلها لحاجة ويقول : لا نجمع عليها عملين . وكان لا يأكل من صدقات الناس ، بل كان لا يكاتب عبدا إذا لم يكن عنده كسب ويقول : أتريد أن تطعمني أوساخ الناس . وكان يقول : عجبا لمؤمل الدنيا والموت يطلبه وغافل ليس بمغفول عنه ، وضاحك ولا يدري أربه راض عنه أم ساخط .
وكان ، رضي اللّه عنه ، يقول : عهد إلينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : « ليكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب » « 1 » . ولما وقع الحريق مرة في المدائن أخذ سيفه ومصحفه وسجادته وخرج مسرعا ، وقال : كذلك ينجو المخفون .
عاش رضي اللّه عنه مائتين وخمسين سنة ، وقيل غير ذلك . وتوفي في خلافة عثمان رضي اللّه عنه ، وقيل : في سنة ثلاث وثلاثين ، واللّه أعلم .
* * *
هامش
( 1 ) رواه ابن السري في الزهد ، باب الزهد ، حديث رقم ( 566 ) [ 1 / 316 ] ورواه أبو القاسم علي بن هبة اللّه الشافعي في تاريخ مدينة دمشق ، ذكر من اسمه سلمان ، [ 21 / 454 ] .