وعن أبي عمرو بن العلاء قال : شهدت الفرزدق وهو يجود بنفسه فما رأيت أحسن ثقة باللّه منه ويرجى له الزلفى والعائدة وعظيم الفائدة ، بحميته في أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ومدحه لزين العابدين علي بن الحسين وإعرابه عن الرغبة والرهبة ، وذلك أن زين العابدين لما أراد استلام الحجر في زحمة الناس تفرجوا عنه هيبة ومحبة فقال شامي : من هذا ؟ فقال هشام بن عبد الملك : لا أعرفه ، خاف أن يرغب عنه أهل الشام ، فقال الفرزدق : أنا أعرفه ، فقال الشامي : من هو يا أبا فراس ؟ فقال :
هذا سليل حسين وابن فاطمة * بنت الرسول الذي انجابت به الظلم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم
إذا رأته قريش قال قائلهم * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
هذا ابن خير عباد اللّه كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم
ينمى إلى ذروة العزّ الذي عجزت * عن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
في كفه خيزران عرفه عبق * في كف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته * فما يكلم إلا حين يبتسم
يبين بدر الهدى من بدر طلعته * كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم
مشتقة من رسول اللّه نبعته * طابت عناصره والخيم والشيم
اللّه شرّفه قدما وعظمه * جرى بذاك له في لوحه القلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجدّه أنبياء اللّه قد ختموا
وليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عم نفعهما * يستوكفان ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره * يزينه اثنان حسن الخلق والشيم
حمال أثقال أقوام إذا فدحوا * حلو الشمائل تحلو عنده النعم
لا يخلف الوعد ميمون نقيبته * رحب الفناء أريب حين يعتزم