وهو أعجوبة في سرعة الفهم ، وغاية في الحفظ ، وآية في حسن التصور ، له حدس يظن أنه الكشف ، وفكر كأن دقّته خفىّ اللّطف ، وتأمّل يرفع الأستار عن غوامض الأسرار ، وصبر متين ، وجلد مبين ، وقلب على نوب الأيام ثابت ، وجنان من صروف الدهر غير طائش ، وشجاعة متقنة ، يتجرع الغصّة ، وينتهز الفرصة ، وعزم برويّة ، وجزم يزينة اتقاد العزم ، وما أصدق قولي في مناسبة كثير من صفاته لاسم أبيه :
وكم خلق في شيخ لسلام عزوه * إلى اسم أبيه من جمال جلاله
فنسبته منه رزانة عقله * وما حازه من صبره واحتماله
وذهن كنار قد ورت ، ولجسمه * جلاد قوى مثل قلب جداله
وخشيته لله تعلو ، وبذله * أجلّ ، وفيض العلم أعلى كماله
لازمته حضرا ، وصحبته سفرا ، فرأيت منه الغرائب .
كان الأتراك سنة ست وثلاثين « 366 » يتعجبون منه في قوة صبره على شدائد السّير ، يركب البغل مرة والهجين أخرى ويثنى رجله على كوره « 367 » ، ويسبق فينزل إلى الكتابة والمطالعة حيث يترك غيره إلى النّوم والراحة ، ولا يقطع قيام ثلث الليل الآخر مع جهد ذلك السفر العنيف .
أوقاته مشحونة بالأشغال ، قد جعل نصب عينيه أن هذه الدنيا دار ليس فيها راحة ، فخفف ذلك عنه كل تعب ، فهو لا يمكث لحظة بغير عمل .
بلغني أنه ذهب مرة إلى مدرسة محمود ليكشف عن شئ فلما وصل تذكّر أنه نسي المفتاح فأرسل من يحضر نجارا ليفتح الباب ، فقام يتنفّل بالصلاة حتى جاء .
لا تشغله النزهة عن عمل ما يعمله في البيت ، وربما التمس منه أكابر أصحابه البطالة حينئذ فيقول : « ما فائدة ذلك إلا محادثتكم ومشاركتكم في جميع ما أنتم فيه لا ما أنا فيه ، وفلا يفوتهم شئ من أنسه . لا مثل لملكته
هامش
( 366 ) أي سنة مصاحبته للسلطان برسباى في حملته على آمد سنة 836 ه .
( 367 ) « الكور » هي الرّحل يسافر عليه المرء .