وتوجه كرجى وطغجى إلى منكوتمر بدار النيابة من قلعة الجبل ، ودقا عليه الباب ، وقالا له : السلطان يطلبك ؛ فأنكر مجيئهما ، وقال لهما : قتلتماه ؟ ! .
فقال كرجى : نعم يا مأبون ، وجئنا لنقتلك ؛ فاستجار منكوتمر بطغجى ؛ فأجاره .
ثم وقع « 1 » أمور الت إلى قتله في الليلة المذكورة ؛ لأنهم قالوا : نحن ما قتلنا أستاذه إلا من أجله ؛ فكيف نبقيه ؟ ! .
ثم نهبوا دار منكوتمر في الحال . واتفقوا على إعادة الملك الناصر محمد ابن قلاوون إلى ملكة ، وتحالفوا على ذلك ، وارسلوا لإحضاره سلار الصغير .
وعمل طغجى نيابة السلطنة أربعة أيام . فلما حضر الأمير عبد الله أمير سلاح من غزوة الشام قتل كرجى وطغجى وغيرهما - حسبما ذكرناه في [ تاريخنا ] « 2 » « النجوم الزاهرة » ، وأيضا في « المنهل الصافي » - .
ثم أرسلوا في مجئ [ الملك ] « 3 » الناصر ثانيا ، إلى أن حضر من الكرك ، وتسلطن ثاني مرة - حسبما يأتي ذكره - .
وقتل الملك المنصور لاچين وهو في عشر الخمسين أو جاوزها ، وكانت مدة أيامه في السلطنة سنتين وثلاثة أشهر . وكان المنصور من أعقل الناس [ وأحسنهم ] « 4 » ، وأحشمهم ، وأشجعهم ، وهو الذي عمرّ الجامع الطولوني - خارج القاهرة - بعدما كان أشرف على الخراب ، وأوقف عليه هذه الأوقاف الجليلة « 5 » ، وهو الذي رآك الديار المصرية - « الرّوك الحسامى » - وهو الذي أبطل الثلج الذي كان ينقل من الشام إلى مصر في البحر « 6 » .
هامش
( 1 ) ( وقتفى ، ف ، والصيغة المثبتة من س ، ح .
( 2 ، 3 ) ما بين الحواصر ساقط من ف ، ومثبت في س ، ح .
( 4 ) ما بين الحاصرتين ساقط من ف ، ح ، ومثبت في س .
( 5 ) المعروف أن السلطان لاچين أقام الأمير علم الدين سنجر الدوادارى في نيابة دار العدل وجعل إليه شراء الأوقاف والصرف على الجامع الطولوني ، وصرف إليه كل ما يحتاج إليه في عمارته ، وأشهد عليه بوكالته ، فابتاع سنجر منية أندونة من أراضي الجيزة وساحة بجوار جامع أحمد بن طولون ( وعمر الجامع وأزال كل ما كان فيه من تخريب ، وبلطه وبيضه ورتب فيه دروسا لإلقاء الفقه على المذاهب الأربعة . . . ودرسا يلقى فيه تفسير القرآن الكريم ، ودرسا لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ودرسا للطب ، وقرر للخطيب معلوما وجعل له إماما راتبا ومؤذنين وفراشين وقومة . . . فبلغت النفقة على عمارة الجامع وثمن مستغلاته عشرين ألف دينار . الخطط ج 2 ص 268 . وعن سبب تسميتها بمنية أندونة أنظره ج 1 ص 207 .
( 6 ) يقال إن السلطان لاچين قال في سبب إبطال نقله : ( أنا كنت نائب الشام وأعلم ما يقاسى الناس في وسقه من المشقة . النجوم ج 8 ص 106 ، وعن مراكز الثلج من الثغور الشامية وهي بيروت وصيدا إلى ثغر دمياط ثم ينقل من مراكب البحر المالح إلى مراكب النيل ، ثم يوتى به إلى بولاق ، ثم ينقل على البغال إلى الشرابخاناة الشريفة وتخزن في صهريجه ، انظر : زبدة كشف ص 117 - 118 ، صبح الأعشى ج 14 ص 396 ، وانظر : نبيل عبد العزيز : المطبخ السلطاني ص 98 - 99 .