فرحّب بهما وأخذ يطعمهما من تلك المقثأة ، وذكر أنه في هذا الجبل مدّة ثلاثين سنة لم ير أحدا من النّاس سواهما ، وأنّه قدم إليه بقليل من الذّرة وشيء من لبّ الخيار فزرعه هنا ، والله يسقيه له قال : فأنسنا به ساعة ، ثم قام عنّا ومضى قليلا ، ثم عاد ومعه غزال قد كان نصب له حبالة ، فاستخرج النار وشوى لنا من لحمه ، فأكلنا ودفعت إليه مالا فلم يقبله وقال : لا حاجة لي به ، لكن إن رأيت أن تعطيني قليل قمح أجعله عوض الذّرة ، فافعل ، فأحضرت له من مركبنا قمحا فلم يأخذ منه سوى ستّة أقداح ، وانصرفنا عنه .
وأخبرني أنّه رأى ساقية على بئر بناحية قليوب « 1 » إذا أخذ منها قطعة خشب ووضع في شيء من ذلك الماء ليلا / أضاء كما يضيء الجمر .
وأخبرني عن أبيه ، وهو جد أمي لأمّها ، أنّه كان قليل المال دون أهله ، فحجّ في بعض السّنين ، فوجد المسك بمكّة يباع كل مثقال بخمسة دراهم ، فاقترض هو وشخص من معارفه نحو المائة ألف درهم ، واشتريا بها مسكا ، وسارا مع الركب إلى القاهرة والمسك معهما على جملين ، فاتّفق أنّهما ناما مرّة في أثناء الطريق وقاما فلم يجدا الجملين بحملهما ، فضاقت عليهما الأرض بما رحبت ، ومرّا على وجوههما في البرّيّة يريدان العود إلى مكّة فرارا من صاحب المال ، فلم يمضيا عن الرّكب إلا قليلا وإذا بجمليهما يرعيان وعليهما حملهما ،
هامش
( 1 ) قليوب : تقدم التعريف بها في حواشي ج 1 / ص 188 .