فركبا وعادا وسلّم الله حتى قدما القاهرة ، فإذا المسك في القاهرة بما ينيف على مائة درهم المثقال ، فكان هذا سبب غنى أبيه .
وأخبرني أن بعض الأجناد حدّثه أنّه توجّه إلى بلاد الصّعيد في مركب فيها جماعة ، وأنّه كان من جملة من كان في السّفينة سائس خيل ، فأخذوا ذات يوم في اللّعب ، وأقاموا واحدا منهم حاكما ، وآخر له رتبة أخرى ، وذلك السائس كأنّه سارق ، فأقيم بين يدي الحاكم ، وادّعي عليه بالسّرقة ، فاعترف بها .
فأمر به فقيّد بقيد من حديد في رجليه حتى انقضى لعبهم ، فأخذ يسأل في فكّ قيده عنه ، وهم يأبون عليه ، وهو يلح في السّؤال ، فأخذ واحد منهم مفتاح قفل القيد ورماه في النّيل ، وهم يضحكون على السّائس في كثرة خوفه وقلقه ، ثم حاولوا فتح القفل فأعياهم حتى أرسوا بساحل منية ابن خصيب ، فطلبوا صانع الأقفال ليفكّ قفل القيد ، فامتنع وقال :
« عليّ في هذا درك ، ولا بدّ من مشاورة الوالي » ، فاحتاجوا إلى الاجتماع بالوالي ، وأعلموه بالخبر ، فأمر أن يحضر السائس إليه حتّى يراه ، فأتوه به ، فأخذ يسأله عن شأنه ومن أين جاء وأين يريد ، فذكر أنّ أستاذه بعثه لبقبض مغلّه من البلد الفلاني ، فقام رجل من أجناد الوالي وقال : « هذه البلد إقطاعي » فظهر على السّائس أثر الريبة ، فأمر الوالي به فعرّي من ثيابه ليضرب ، فأقرّ أنّه سرق عملة لأستاذه وهرب بها ، فأحضر الوالي حوائج السّائس فإذا فيها شيء كثير من المصاغ
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق ) — صفحة 264
مساهمون: المقريزي
ص٢٦٤