قدم إلى القاهرة مع الأمير يلبغا النّاصري من حلب ، فلمّا عاد الظّاهر برقوق إلى الملك استكتبه في الإنشاء حتى قدم العلاء عليّ بن عيسى المقيّري من الكرك فأقرّه في كتابة السّرّ ، وقام في البيري بأعباء ديوان الإنشاء واختص بالظّاهر وكل ذلك إملاء منه ومكر به حتى تمكن من النّاصري بمدينة حلب وقتله بها . وقبض على البيري وحمله معه إلى القاهرة في الحديد ثم أمر به فقتل خنقا في يوم الاثنين رابع عشري شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين وسبع مائة . وسبب ذلك أن البيري كان يكتب للنّاصري فلما ثار بحلب ، واستولى منها على مملكة مصر كانت الكتب التي تصدر عنه من حين شقّ العصا على برقوق كلها بخط البيري فنقم عليه من أجل هذا حتى قال بعد قتله : كنت أنا الذي ترسّمت عليه بنفسي .
ولما قدم إلى مصر صحبته فرأيت منه أدبا جمّا شاهدته يكتب ما ينشئه ويملي في حال كتابته على شخص إنشاء غير الذي يكتبه .
ووقع إليّ من تأليفه كتابا بخطه سماه « تلوين الحريري من تكوين البيري » يشتمل على ما له من منثور ومنظوم فإذا هو بحر أدب لا تخاض لججه وعباب بيان لا يتوسط ثبجه ، قال في خطبته بعد حمد اللّه والصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ولما كانت المقامات الحريرية محط رحال حفظي ومغنى معناي ولفظي ، وكان مجموعي هذا لا يستقر بمغنى ولا يقف لفظ تدوينه على معنى ، بل ينتقل من نظام إلى ثبار ، ومن إقلال إلى إكثار ، ومن ظعن إلى إقامة ، ومن اعوجاج إلى استقامة ، فوسمته باسم مناسب لتحسن بيني وبين شيخي المناسب ، وسميته « بتلوين الحريري من تكوين عليّ البيري » وأنا أسأل اللّه ستر هدري والتجاوز عن عجزي ونجزي ، وللناظر فيه الإحسان بسدّ الخلل ، فعزّ من لا عيب فيه وجلّ .
وقال :
أفدي شقيق البدر لما بدا * في ليل شعر قد بدا صبحه
متعرّضا رمحا فأنشدته * جاء شقيق عارضا رمحه