فلحقه وقال : الشريف معتذر .
فقال : يدع حديثي ويقبل على الجمل الأجرب ؟
- فسمّي سابور « الجمل الأجرب » إلى أن مات .
وبلغ المتنبّي أنّ سيبويه يقع فيه ، فمرّ به وهو على باب المسجد ، فقال وقد وقف عليه : أيّها الشيخ ، قد كنت أحبّ أن أراك .
فقال : رعاك اللّه وأبقاك .
فقال : بلغني أنّك أنكرت عليّ قولي [ الطويل ] :
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى * عدوّا له ما من صداقته بدّ
فما كان الصواب عندك ؟
قال : العداوة ضدّ الصداقة ، ولكن لو قلت :
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى * عدوّا له ما من مداراته بدّ
وهذا رجل منّا قد قال [ الوافر ] :
أتاني في قميض اللاذ « 1 » يسعى * عدوّ لي يلقّب بالحبيب
[ 159 ب ] فقال المتنبّي : مع هذا غيره ؟
قال : نعم :
فقلت له : استعملت هذا * لقد أقبلت في زيّ عجيب « 2 »
فقال : الشمس أهدت لي قميصا * مليح اللون من شفق الغروب
فثوبي والمدام ولون خدّي * قريب من قريب من قريب
فتبسّم المتنبّي وانصرف ، وسيبويه يصيح به .
وكان يشبّه في حضور جوابه وخطابه وحسن
عبارته وكثرة روايته بأبي العيناء . وكان قد تناول البلاذر فعرضت له منه لوثة . وكان أكثر الناس يتبعونه ويكتبون عنه ما يقول ، قال يوما : يا أهل مصر ، أصحابنا البغداديّون أحزم منكم ، لا يقولون بالولد حتى يتّخذوا له العقد والعدد ، فهم أبدا يعتزلون .
ولا يقولون باتّخاذ العقار خوفا من أن يملكهم سوء الجوار ، فهم أبدا يكترون .
ولا يقولون باتّخاذ المهائر « 3 » خوف أن تتوق أنفسهم إلى السراريّ ، فهم أبدا يتسرّرون .
ولا يقولون بإظهار الغنى في مكان غرفوا فيه بالفقر ، فيهم أبدا يسافرون .
ووقف يوما بالجامع ، وقد أخذت الحلق مأخذها ، فقال : يا أهل مصر ، حيطان المقابر أنفع منكم : يستند بها من التعب ، ويستدفأ بها من الريح ، ويستظلّ بها من الشمس . والبهائم خير منكم : تمتطى ظهورها ، وتحتذى جلودها ، وتؤكل لحومها .
وكان الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات المعروف بابن حنزابة ربّما رفع أنفه تيها . فقال له سيبويه وقد رآه فعل ذلك : « أشمّ الوزير رائحة كريهة فشمر أنفه ؟ » فأطرق .
وخرج سيبويه فقال له رجل : من أين أقبلت ؟
فقال : من عند الزاهي بنفسه ، المدلّ بعرسه - يعني أنّه متزوّج بابنة الإخشيد - المستطيل على أبناء جنسه .
واستأذن على الشريف مسلّم فحجب عنه ، فقال : قولوا له : يرجع إلى لبس العبا ، ومصّ النوى ، وسكنى الفلا ، فهو أشبه [ به ] من نعيم
هامش
( 1 ) اللاد جمع لاذة : وهو الثوب الأحمر من حرير .
( 2 ) الشطر الأوّل غير موزون وقراءتنا ظنيّة .
( 3 ) المهائر ج مهيرة : الحرّة من النساء ذات المهر الغالي .