قال : في الطريق قوم من بني هلال يقطعو [ ن ] على الناس الطريق . وما أبالي على ما أؤخذ ، فإنّي كنت أمضي في خلق ، ولكن عرّفت بشيء .
قال : إيش هو ؟
قال : يأخذو [ ن ] ما على الإنسان ويفسقو [ ن ] به ، قد عملوا هذا مع جماعة .
فقال : أسألك يا أبا القاسم بما بيني وبينك إلّا بلّغت إلى أبي جعفر مسلّم وقلت له : الحاجة التي سألتك فيها ، أخّرها .
فقال : أخاف أن لا يقبل منّي .
فقام إلى أبي جعفر وقال له : تؤخّر ما سألتك أيّدك اللّه حتى أرى رأيي .
فقال له : قد فرغنا ممّا رسمت وتقدّمنا إلى الطبّاخين بإصلاح ما يصلح لك .
قال : جزيت خيرا وكفيت شرّا ، ولا عدمك أولياؤك ، وكبت أعداؤك !
وانضرف . فشكر مسلّم فعل التاجر [ 159 أ ] .
وهجاه بعضهم فقال [ السريع ] :
يفخر بالحبّ وإقناطه * والحبّ عندي فهو عار عليه
من حبّ منكم أن يرى مشركا * فليتوخّ أن يرى سيبويه
فقال آخر ينتصر له :
لا حفظ اللّه ولا حاط من * قد قال هذا الشعر في سيبويه
إذا قال عنه إنّه مشرك * لقد أتى زورا وإفكا عليه
ما كان إلّا رجلا مؤمنا * وطالبا للعلم ساع إليه « 1 »
ومرّ برجل وقد خرج من الحمّام فقال له :
نفعك اللّه وأعقبك الصحّة !
فقال له : كذلك فعل اللّه بك .
فقال الرجل : قال يوحنّا بن ماسويه : أفضل الحمّامات ما تقادم بناؤه ، وارتفع سماؤه ، وكثر ضياؤه ، وعذب ماؤه ، وقلّت خطاه .
فقال سيبويه : وحضر غداؤه !
وركب الأستاذ كافور الإخشيديّ يوما لصلاة الجمعة في مواكبه فسمع صياحا فسأل عنه فقيل :
سيبويه .
فقال : « استروه عنّي بالدرق ! » وهو يصيح : « أبا المسك مدح القطّ خرى في الشعير ! لا أعتق اللّه منك قلامة ظفر ! » .
ثمّ التفت إلى الناس فقال : حصلنا على خصيّ ، وصبيّ ، وامرأة لا تدري - يريد بالخصيّ كافورا ، وبالصبيّ عليّ بن الإخشيد ، وبالمرأة أمّه .
وقال مرّة : حصلت الدنيا على أقطع وأقرع وأوقع « 2 » - يريد بالأقطع ابن بويه ، وبالأقرع ابن حمدان والأوقع كافور .
وكان عند أبي جعفر مسلّم ذات يوم فجاءه خادمه سابور فسارّه بشيء فأصغى إليه وترك كلام سيبويه . فقام سيبويه ، فقال له مسلّم : إلى أين يا سيّدي ، يا أبا بكر ؟
فقال : لا تجالس من لا يرى مجالستك رفعة ، ولا تحدّثن من لا يرى حديثك متعة ، ولا تسألن من لا تأمن منعه ، ولا تأمرن من لا تأمن طوعه .
فقال أبو جعفر مسلّم لرجل : الحقه ، وقل له :
الحاجة تجيئك الساعة ، وإلّا قف في الطريق .
هامش
( 1 ) هكذا : ساع عوض ساعيا .
( 2 ) الأوقع قراءة ظنيّة ولعلها الذليل الكئيب الفقير .