تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
ولد على دين النصرانيّة في سنة تسع وخمسين وستّمائة . وعانى كتابة الديونة « 1 » . وكان متألّها في نصرانيّته إلى أن أكره على الإسلام فامتنع من ذلك ، وهمّ بقتل نفسه وتغيّب أيّاما . ثمّ أسلم وحسن إسلامه وتمذهب بمذهب أبي حنيفة رضي اللّه عنه وأبعد النصارى ولم يقرّب منهم أحدا ، وحجّ غير مرّة ، وتصدّق في آخر عمره بثلاثة آلاف درهم في كلّ شهر ، وبنى عدّة مساجد بديار مصر ، وعمّر أحواضا كثيرة لماء السبيل في الطرقات ، وبنى مارستانا بمدينة الرملة ، ومارستانا بمدينة نابلس ، وأكثر من فعل الخير ، وزار مرّة القدس وأحرم منه للحجّ إلى مكّة . وكان إذا أخدمه أحد مرّة واحدة استمرّ صاحبه إلى آخر الدهر ، وقضى أشغاله . وكانت فيه عصبيّة شديدة لأصحابه ، وانتفع به خلق كثير من الناس لوجاهته عند السلطان وإقدامه عليه ، بحيث إنّه لم يكن لأحد من أمراء الدولة على السلطان ما له من الإقدام ، حتى إنّ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون قال لجنديّ سأله في إقطاع : لا تطوّل ! فو اللّه لو أنّك ابن قلاوون ما أعطاك القاضي فخر الدين خبزا « 2 » يعمل أكثر من ثلاثة آلاف درهم ! وقال له السلطان مرّة ، وهو جالس في دار العدل بحضرة الأمراء وغيرهم من أهل الدولة : يا فخر الدين ، تلك القضيّة طلعت « فاشوش » ! فقال له الفخر : ما قلت لك إنّها عجوز نحس ؟ - يريد بذلك أردكين بنت نوكاي زوجة السلطان ، فإنّها ادّعت أنّها حبلى ، ثم تبيّن عدم حبلها . وأوّل ما باشر وظيفة كتابة المماليك ، وما زال يعرف بكاتب المماليك حتى مات . ثمّ انتقل إلى وظيفة ناظر الجيش فوليها بعد [ . . . ] في [ . . . ] ونال فيها من الوجاهة ما لم ينله غيره واستقرّ ولده شمس الدين عبد اللّه كاتب المماليك عوضا عنه . فعاداه الأمير أرغون نائب السلطنة ، وصار إذا جلس للحكم أعرض عنه وأدار كتفه إليه . فأخذ الفخر في العمل عليه إلى أن حجّ . فقال للسلطان في بعض الأيّام وهو يحادثه : يا خوند ، ما يقتل الملوك إلّا نوّابهم : هذا بيدرا قتل أخاك الملك [ 219 ب ] الأشرف ، ولاجين قتل بسبب نائبه منكوتمر . فحرّك هذا القول من السلطان كوامن كان أغراه بها على أرغون وكثر تخيّله منه ، وبعث إليه يأمره أن يسير من طريق الحجاز إلى حلب ، فتوجّه إليها واستراح الفخر منه . ثمّ إنّه أحبّ أن يستأثر بالكلمة فحسّن للسلطان أن لا يستوزر أحدا ، فأبطل الوزارة بعد صرف الأمير مغلطاي الجماليّ ، وصارت أمور المملكة كلّها ، من الأموال والجيوش وغيرها ، متعلّقة به . ثمّ إنّ السلطان غضب عليه وقبضه في يوم الأحد عاشر ربيع الأوّل سنة ثنتي عشرة [ وسبعمائة ] وولّى قطب الدين موسى بن أحمد ابن شيخ السلاميّة نظر الجيش ، وصادر الفخر وأخذ منه أربعمائة ألف درهم . وسبب ذلك أنّه أخرق بالأمير فخر الدين أياز شادّ الدواوين . فاجتمع بالسلطان وأغراه بكثرة أمواله وأنّه يخلص منه ألف ألف درهم ، فأصغى إليه وخرج إلى الفخر وهو مع الأمراء على باب القلّة بالقلعة وفاتحة الشرّ وبسط لسانه فيه ، ثمّ قام إلى السلطان هو والفخر ، ورافعه في وجهه حتّى غضب السلطان وسلّمه إليه ليأخذ ماله ، فأخرجه إلى قاعة الصاحب بالقلعة وأوقع الحوطة على موجوده وحواشيه . فقام عدّة أمراء
هامش
( 1 ) الديونة : لم نجدها عند دوزي ، وهي في صبح الأعشى 2 / 477 ، 480 . ( 2 ) الخبز هنا بمعنى الوظيفة التي تدرّ رزقا .