جبلة ] المعروف بالأبرش الكلبيّ « 1 » : إن كان في المقدور أن ينالوا الخلافة ، فلا بدّ واللّه من أن ينالوها ! فلا تقطع أرحامهم ، وتأثم بربّك فيهم ، بل صانعهم ، فإنّ مصانعتك إيّاهم خير لعقبك .
هذا هو الرأي والحزم . وإلّا يكونوا من هذا الأمر في شيء ، فما خوفك لما ليس بمقدور ؟ على أنّ إظهارك التخوّف لهم تنبيه للناس عليهم .
فأمسك هشام عند ذلك عن محمد .
وكان عبد الملك بن مروان قد نظر إلى محمد وهو غلام ، وكان محمد جميلا ، فقال : هذا واللّه يفتن المرأة الشريفة !
فقال خالد بن يزيد بن معاوية « 2 » : أمّا واللّه إنّ ولده لأصحاب هذا الأمر .
فقال عبد الملك : كلّا !
فقال خالد : هو واللّه ذاك . إنّ تبيعا « 3 » أخبرني عن كعب أنّ هذا الأمر يصير إلى بني العبّاس ، وأنّه لا يليه رجل من آل أبي طالب إلّا أن يخرج على وال فيقتل ، وأنّها لولد العبّاس إلى أن ينزل المسيح .
وقعد هشام بن عبد الملك يوما في منظرة له فرفع له ركب ، فقال : يا غلام ، ائتني بخبر هؤلاء .
فمضى بعض من كان بين يديه حتى تلقّاهم فقال : من أنتم ؟
قالوا : هذا محمد بن علي بن عبد اللّه بن عبّاس وإخوته .
قال : فما أقدمكم ؟
قالوا : قدمنا لنشكو إلى أمير المؤمنين حالنا وديننا .
فرجع إلى هشام فأخبره فقال : ارجع فقل لمحمد بن عليّ : ارجع من حيث جئت وانتظر أن يقضي دينك ودين أخويك ابن الحارثيّة - يعني أبا العبّاس .
فقال محمد : قل لأمير المؤمنين : إن كان صائرا إلى ابن الحارثيّة ، فما عليك أن يكون لكم عنده يد ؟ وإلّا يكن ذلك ، فعلام تحرمنا فضلك وصلتك وعائدتك ؟
فقال هشام للرسول : قل له ما قلت لك وأزعجهم حتى يرجعوا عودهم على بدئهم .
فقال محمد : دعونا لنريح فقد نصبنا وتعبنا .
فأبلغ قوله هشاما فأذن لهم فأراحوا . فلمّا جنّ الليل أتى محمد بعض جلساء هشام فعرض عليه مالا ، فلم يقبله . وسأله عن ابن الحارثيّة فأراه إيّاه ، وهو صبيّ . ثم رجع إلى الشراة [ 66 أ ] وقال : اللهمّ ، إنّ هذا بعينك .
وكانت له بالحميمة خمسمائة شجرة ، فكان يصلّي تحت كلّ شجرة ركعتين .
وكان إماما عالما محدّثا عدلا . أخرج له مسلم في صحيحه . وفيه البيت والعدد والخلافة .
[ دعاة بني العبّاس ]
وكان محمد بعث رجلا إلى خراسان كما تقدّم ذكره . فما زال بها حتى مات . فقدم قحطبة وسليمان بن كثير إلى الكوفة فلم يعرفا الإمام .
فأتيا المدينة فسألا محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عن الإمام فقال : هو منّا ، وهو بالشام .
هامش
( 1 ) هو كاتب هشام بن عبد الملك .
( 2 ) خالد بن يزيد حكيم بني أميّة : له ترجمة في المقفّى رقم 1382 ( ت 90 ) وانظره أيضا في دائرة المعارف الإسلاميّة .
( 3 ) التبيع هنا كأنّه الجنّيّ أو الرئيّ التابع للشخص .