تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
فبناها وجعلها دار ملكه وحصّنها بالسور العجيب وأبواب « 1 » الحديد المصمت المحكم ، وجعل في كلّ مصراع مائة قنطار . وهما بابان بأربعة مصارع لكلّ باب دهليز يسع خمسمائة فارس . وكان ابتداء بنائها يوم السبت الخامس من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة . وكان أوّل ما ابتدأ به من سورها ما على الجانب الغربي الذي فيه أبوابها . فلمّا مدّ الحائط على أساس السور ووضع أوّل حجر منه ، أمر المهديّ راميا بالقوس أن يرمي سهما من حدّ الحجر الذي في أساس السور إلى ناحية الغرب ، فرمى الرامي سهمه فانتهى إلى الموضع الذي عمل فيه المصلّى ، ووقع السهم قائما على نصله ، فقال المهديّ : « إلى هذا السهم يصل صاحب الحمار » ، يعني أبا يزيد الخارجيّ . فخرج على الدولة وكذا كان ، كما سيرد خبره إن شاء اللّه في ترجمة أبي القاسم محمد بن المهديّ إن شاء اللّه « 2 » . ثم أمر المهديّ أن تقاس مساحة موضع الرميّة بالذارع فبلغ مائتي ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعا ، فقال المهدي : هذا عدد ما تقيم المهديّة في أيدينا من السنين ، فكان كذلك « 3 » . وأمّا الأبواب الحديد فإنّها عملت صفائح مفرغة بثلاث طبقات وطرقت بالمسامير فبقيت تتحرّك ، فقال المهديّ : ما عندكم في هذا ؟ فقالوا : لا ندري . فأمر بالحطب الكثير فجعل فوقها وتحتها وأطلقت النيران العظيمة وطرقت المسامير فصارت الأبواب قطعة واحدة ، ولمّا ركّبت صعب فتحها وإغلاقها ، ولم يكن يغلق الباب الواحد إلّا جماعة من الرجال [ 222 ب ] فأمر المهديّ أن يجعل خرزها زجاجا فدار الباب في الوقت وسهل فتحه وغلقه وصار الرجل الواحد يفتحه ويغلقه . ثم قال : كم يكون وزن كلّ باب ؟ فقال القوم : هذا لا يعلمه إلّا اللّه إذ ليس في الأرض ميزان يحمل بعضه . فأمر بمصراع منه فحمل على الصواري حتى ألقي على ظهر مركب في الماء إلى حدّ بعينه ، وعلّم ما نزل من المركب في الماء ، ثمّ أنزل المصراع وجعل في المركب من الصخر والحجر حتى بلغ الماء إلى الحدّ الذي علّم فيه ، ثم وزن جميع ما وضع في المركب من الصخر والحجارة ، فعلم ما فيه من رطل ، فجاءت زنة الأربعة مصار [ ي ] ع أربعمائة قنطار . ثم أمر أن تقطع في داخل المدينة صناعة تنقر في الجبل تحمل مائتي شيني « 1 * » وعليها باب . ثم نقروا في أرضها أيضا أهراء برسم الغلال في الحجر الصلب تسع من الطعام ما لا يحصى ، ودمسها . وبنى قصورا عالية ، وجعل فيها من المصانع للماء ما لا يحصى وختم عليها وأمر بحفظها . فلمّا فرغ من بناء السور والقصور والدور قال : اليوم أمنت على الفاطميّات ، يعني بناته . وارتحل إليها في شهر صفر سنة ثمان وثلاثمائة ، وكان طالعها برج الأسد . ولمّا رأى المهديّ إعجاب الناس بالمهديّة وبحصانتها قال : هذه بنيتها لتعتصم بها الفواطم ساعة من نهار . وكذلك كان ، لأنّ أبا يزيد وصل إلى موضع السهم ووقف فيه ساعة ولم يظفر .
هامش
( 1 ) والأبواب في المخطوط . ( 2 ) هو القائم . انظر ترجمته في المقفّى رقم 2641 . ( 3 ) لم يتوقّع صاحب التنبّؤ خروج بني زيري عن الولاء الفاطميّ . ( 1 * ) الشونة والشيني : مركب للجهاد في البحر . والصناعة قبله تعني الترس‌خانه .
المقفى الكبير — صفحة 311 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي