تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
وسمع أبو عبد اللّه ذلك فشق عليه وأرسل إلى اليسع كتابا يتلطّف به ويؤمّنه ، وأنّه إنّما قدم إلى جهته بسبب حاجة مهمّة ، ولم يقدم لحرب ، ووعده من نفسه بالجميل . فرمى الكتاب وقتل الرسول . فعاوده في الملاطفة خوفا على المهديّ وأعرض عن ذكره له أوّلا وآخرا ، فقتل الرسول ثانيا وتمادى على حاله ، فأسرع أبو عبد اللّه في السير ونزل عليه وقاتله حتى الليل ، فهرب اليسع ومن معه ، وبات أبو عبد اللّه ومن معه في غمّ عظيم لا يدرون ما صنع بالمهديّ وولده . فلمّا أصبح خرج إليهم أهل البلد وأعلموهم بهرب اليسع ، فدخل بأصحابه البلد وأتوا المكان الذي فيه المهديّ فاستخرجه منه وأخرج ولده . فلمّا رآهما الناس كانت فيهم مسرّة عظيمة كادت تطيش عقولهم . فقرّب أبو عبد اللّه إلى المهديّ وولده حصانين فركبا ، وحفّت العساكر بهما ، ومشى أبو عبد اللّه ووجوه القبائل بين يدي المهديّ ، وأبو عبد اللّه يقول للنّاس : « هذا مولاكم ومولاي ! » وهو يبكي من شدّة الفرح ، حتى وصل إلى فسطاط قد ضرب له فدخله [ 220 ب ] وأمر بطلب اليسع فخرجت العساكر مسرعة إليه . فأقام إلى العشاء ، ثمّ أمر أن يفرش قدّام الفسطاط وخرج إلى الناس وأحاطوا به يسمعون كلامه ويبكون ، وهو في ذلك يثني عليهم ويذكر فضلهم . وأدركت العساكر اليسع فأخذوه ومن كان معه . فأمر بضرب اليسع فضرب بالسياط وطيف به العسكر ، ثمّ قتل هو وأصحابه . وكان اليسع قد قطع عنه الطعام أيّاما حين سجنه « 1 » . وكتب بفتح سجلماسة إلى إفريقيّة ، وكان الناس لمّا خرج منها أبو عبد اللّه وغاب عنهم ظنّوا به الظّنون وشنّعوا الإشاعات . فعند ما ورد كتاب الفتح وظهور المهديّ سرّ الناس . وأقام المهديّ بعد الفتح بسجلماسة أربعين يوما ، وكان ظهوره من سجلماسة يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجّة سنة ستّ وتسعين ومائتين . قال مؤرّخ القيروان : « وكانوا يزعمون في قديم الزمان أنّ الثاني عشر من أبي طالب والد أمير المؤمنين علي كرّم اللّه وجهه هو الذي يصير إليه أمر المسلمين فيكون إماما ، وذلك إذا دخلت سنة ستّ وتسعين ومائتين . فكان كذلك » .

[ انتصابه بالقيروان ]

فلمّا تمّ له من يوم الفتح أربعون يوما نهض يريد إفريقيّة . وأمر بإحضار الأموال التي على أيدي الدعاة ، فلمّا حضرت قبضها . وسار إلى رقّادة فوصل يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين . وحضرت إليه الأموال من إيكجان فدخل بها معه إلى رقّادة . وزالت بالمهديّ دولة بني الأغلب وملك بني مدرار الذين آخرهم اليسع وكان لهم في الملك ثلاثون ومائة سنة تفرّدوا بسجلماسة وما حولها من أيّام الخليفة أبي جعفر المنصور . وزال أيضا ملك بني رستم من تاهرت وله ستّون ومائة سنة تفرّدوا بتاهرت وما حولها من أيّام الخليفة عبد الملك بن مروان . وملك المهديّ جميع ذلك في هذه السنة . ونزل بقصر من قصور رقّادة بعد ما خرج إليه أهلها وأهل القيروان ، وأبو عبد اللّه ورؤساء القبائل مشاة بين يديه وولده خلفه فسلّموا عليه فردّ عليهم ردّا جميلا وأمرهم بالانصراف . فلمّا أصبح يوم الجمعة أمر الخطيب أن يذكره في الخطبة فيقول : « أبو محمد عبد اللّه الإمام
هامش
( 1 ) في رواية الداعي إدريس : عيون ، 162 ، أنّ المهديّ عفا عن اليسع ولكنّ الأمير المدراريّ رفض الأكل والشرب حتى مات .