وأبو سلمة الخلّال يؤسّس له الأمر ويثبّت دعوته .
وهكذا المهديّ : فإنّه خرج من سلميّة بالشام ، وقد أخذت عليه الطرق ونصبت له المراصد ، وأبو عبد اللّه الشيعيّ قد مهّد له الأمر . وكلاهما تمّ له الأمر وقتل القائم بدعوته .
[ شعر الشعراء فيه ]
وأوّل من مدح المهديّ من شعراء إفريقيّة سعدون الورجيلي ، وكان من شعراء بني الأغلب ، فأنشده [ الكامل ] :
قف بالمطيّ على مرابع دور * لبست معالمهنّ ثوب دثور
لعبت بها حتى محت آثارها * ريحان : ريح صبا وريح دبور
فلمّا انتهى إلى قوله :
وسفيهة هبّت تصدّ عن النوى * ويد النوى ملكت عنان مسيري
خافت عليّ من الخطوب لأنّني * من قبل غبت فأبت بعد دهور
ثم اجتمعنا بعد ذاك فيا لها * مأسورة جمعت على مأسور !
فلمّا قال هذا استعبر المهديّ وتلقّى عبرته بكمّه ، فسكت سعدون فأومأ إليه : أن قل ، فمرّ فيها حتى قال :
أعن ابن فاطمة تصدّين امرأ * بنت النبيّ وعترة التطهير ؟ !
كفّي عن التثبيط إنّي زائر * من أهل بيت الوحي خير مزور
هذا أمير المؤمنين تضعضعت * لقدومه أركان كلّ أمير
هذا الإمام الفاطميّ ، ومن به * أمنت مغاربها من المحذور
والشرق ليس لشامه وعراقه * من مهرب من جيشه المنصور [ 223 ب ]
حتّى يفوز من الخلافة بالمنى * ويفاز منه بعدله المنشور
فقال المهدي : ما شاء اللّه !
ومرّ فيها إلى أن ذكر أبا عبد اللّه الشيعيّ فقال :
يا من تخيّر من خيار دعاته * أرجاهم للعسر والميسور
حتى استمال إليه كلّ قبيلة * ورمي إليه قياد كلّ عثور
أشبهت موسى ، وهو حيّتك التي * تلقى ، فتلقف إفك كلّ سحور
فنظر المهدي إلى أبي عبد اللّه وتبسّم . فقبّل أبو عبد اللّه الأرض وقال للورجيلي : « أنا دون ذلك ببعد ما بين السماء والتراب » . وأمر المهدي للشاعر بصلة جزيلة ، وكانت تجري عليه لكلّ عام ، ووصله أبو عبد اللّه أيضا .
ولم يمت المهدي عبيد اللّه حتى وصلت دعاته إلى بلاد المشرق ، وبعث إليه نصر بن أحمد أمير خراسان « 1 * » يقول : أنا في خمسين ألف مملوك يطيعونني ، وليس على المهديّ لهم كلفة ولا مؤونة ، فإن أمرني بالمسير سرت إليه ووقفت بسيفي ومنطقتي بين يديه وامتثلت أمره ، وإن أمرني أن أدخل أهل الأرض في طاعته .
وكتب إليه أيضا مرداويج الجبلي بمثل ذلك ، وكتب إليه يوسف بن أبي الساج [ . . . ] ، وأحمد بن صعلوك « 2 * » [ . . . ] بمثل ذلك ، وأنفذوا
هامش
( 1 * ) نصر بن أحمد بن إسماعيل : ولي خراسان سنة 301 للمقتدر العبّاسيّ وبقي عليها حتى وفاته سنة 330 .
( 2 * ) مرداويج الجبلي بن زياد بن وردان شاه : قائد ديلميّ استقلّ بأذربيدجان وسجستان في سنة 320 ، وقتله خدمه الأتراك سنة 323 ( انظر : العيون والحدائق ، 538 ) . -