الداعي « 1 » ، فلمّا خرجا من الباب الأوّل ضرب رجل بيده على كمّ الإمام وقال : قد حصلت لي عشرة آلاف دينار .
قال له : وكيف ذاك ؟
قال : لأنّك الرجل المطلوب .
فضحك المهديّ وقال لأبي علي الداعي : قدّر هذا الرجل يا أبا علي أنّني ذلك الرجل الذي أريتك إيّاه السّاعة .
ثم ضرب بيده على يد ذلك الرجل الذي ضرب بيده إلى كمّه ودخل معه إلى صدر الجامع وقال له : عليك عهد اللّه وغليظ ميثاقه أنّني إذا جمعت بينك وبين الرجل الذي تطلبه ، كان لي عليك ولصديقي خمسة آلاف دينار ؟
ثمّ أخذ بيده وأتى به إلى حلقة قد اجتمع الناس فيها وأدخله من جانبها وفارقه فخرج من الجانب الآخر ولم يلتقوا إلى هذه الغاية .
( قال ) وكنت « 2 » يوما قائما على الجسر بمصر
مع الإمام المهديّ إلى أن سمعت الجرس والنداء عليه : « ألا برئت الذمّة من أحد آوى رجلا من صفته كذا ومن نعته كذا - ووصف صفة المهديّ - ومن أتى به فله عشرة آلاف دينار . حلالا طيّبا » .
فقال لي : « يا أبا عليّ ، المقام بعد هذا عجز » ثمّ ركب الجسر وسرت معه . وسألته أن أسير معه إلى المغرب . فقال : « على من أدع من لي ههنا ؟ » فبكيت ، فأنشدني شعر امرئ القيس [ الطويل ] :
بكى صاحبي لمّا رأى الدرب دونه * وأيقن أنّا لا حقان بقيصرا
فقلت له : لا تبك عينك إنّما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
ثمّ قبّلت يده وفارقته .
وقال غيره : لمّا وصل المهديّ ومعه ولده القائم نزلا بدار ابن طلحة بعقبة بني فليح في سنة تسع وثمانين ومائتين [ 219 ب ] .
وقال مؤرّخ القيروان « 1 * » : فلمّا وصل المهديّ إلى مصر في زيّ التجّار كان عامل مصر عيسى النوشريّ . فأتت الكتب إلى عيسى بأن يقبض عليه - وفيها حليته - من جهة الخليفة ، وأنّه ممّن يطلب الأمر لنفسه . وكان المهديّ قد خرج من مصر . فلمّا وصل الكتاب إلى النوشريّ فرّق الرسل في طلبه وخرج بنفسه فلحقه ، فلمّا رآه لم يشكّ فيه فقبض عليه وأنزله في بستان وأحضر طعاما وسأله أن يأكل معه . فاعتذر بأنّه صائم .
فرقّ له ودعاه في خلوة وقال له : أصدقني على أمرك ، فإنّي أتلطّف في خلاصك .
فخوّفه المهديّ من اللّه وقال له : اتّق اللّه ، فإنّما أنا رجل تاجر ولست أعرف شيئا ممّا تقولونه .
فخلّى سبيله . ويقال إنّه أعطاه مالا أقرّ عينه .
هامش
( 1 ) أبو علي الداعي « باب الأبواب » : هو داعي المهديّ بمصر ، الحسن بن أحمد . . . بن عقيل بن أبي طالب ( انظر عيون الأخبار ، 237 ) . توفّي بإفريقيّة سنة 321 فخلفه ابنه أبو الحسن في منصب داعي الدعاة .
فالحسن بن محمد الذي ينقل عنه المسبّحي هو حفيد باب الأبواب أبي علي ، وهو بدون شكّ معاصر للمؤرّخ .
وفي سيرة جعفر الحاجب ، 114 ، ذكر « لمحمد بن الحسين داعي الدعاة الذي بلغ مع الأئمّة المهديّ والقائم والمنصور والمعزّ المحلّ الجليل العظيم » .
واللوح الأخضر : يبدو أنّه ركن من الجامع العتيق مغلّف أو مسقّف بلوح أخضر . انظر الخطط 2 / 249 وحسن المحاضرة 2 / 150 .
( 2 ) المتكلّم هنا هو أبو علي الداعي باب الأبواب . وراوي حديثه هو حفيده الحسن بن محمّد الذي يتحدّث إلى المسبّحي المؤرّخ . وهذا الخبر ملخّص في عيون الأخبار ، 151 .
( 1 * ) ابن شدّاد .