جميلا ، إن تقدّمتني احتسبتك ، وإن ظفرت سررت بظفرك . اخرج حتى انظر إلى ما يصير أمرك .
فقال : جزاك اللّه خيرا ! فلا تدعي الدعاء لي !
فقالت : لا أدع الدعاء لك أبدا . فمن قتل على باطل فقد قتلت على حقّ .
ثم قالت : اللهمّ احم طول ذلك القيام في الليل الطويل ، وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكّة والمدينة ، وبرّه بأبيه وبي ، اللهمّ قد أسلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت ، فأثبني فيه ثواب الصابرين الشاكرين .
فتناول يدها ليقبّلها ، فقالت : هذا وداع فلا تبعد .
فقال لها : جئت مودّعا لأنّي أرى هذا آخر أيّامي من الدنيا .
قالت : امض على بصيرتك وادن منّي حتى أودّعك .
فدنا منها فعانقها وقبّلها فوقعت يدها على الدرع فقالت : ما هذا صنيع من يريد ما تريد .
فقال : ما لبسته إلّا لأشدّ منك .
قالت : فإنّه لا يشدّ منّي . « 1 »
فنزع درعه ثم درج كمّيه وشدّ أسفل قميصه وجبّة خزّ تحت السراويل وأدخل أسفلها تحت المنطقة ، وأمّه تقول : البس ثيابك مشمّرة !
فخرج وهو يقول [ الرجز ] :
إنّي إذا أعرف يومي أصبر * وإنّما يعرف يومه الحرّ
إذ بعضهم يعرف ثمّ ينكر
فقالت : [ تصبر إن شاء اللّه ! أبواك أبو بكر
والزبير ، وأمّك صفيّة بنت عبد المطّلب .
فحمل على أهل الشام حملة منكرة ، وقاتلهم قتالا شديدا ، فتعاوروا عليه فقتلوه يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة ، وله ثلاث وسبعون سنة ] « 1 * » .
[ نجابة ابن الزبير منذ صباه ]
. . . [ 150 أ ] وقيل : أوّل ما علم من همّة ابن الزبير أنّه كان ذات يوم يلعب مع الصبيان ، وهو صبيّ ، فمرّ بهم رجل فصاح ففرّوا ، ومشى ابن الزبير القهقهرى وقال : « يا صبيان اجعلوني أميركم وشدّوا بنا عليه » ففعلوا .
ومرّ به عمر بن الخطّاب وهو يلعب ، ففرّ الصبيان ووقف هو . فقال له عمر : ما لك لم تفرّ مع أصحابك ؟
قال : لم أجرم فأخاف ، ولم تكن الطريق ضيّفة فأوسع لك .
وروي عن الشعبيّ أنّه قال : لقد رأيت عجبا :
كنّا بفناء الكعبة ، أنا ، وعبد اللّه بن عمر ، وعبد اللّه بن الزبير ، ومصعب بن الزبير ، وعبد الملك بن مروان . فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم : ليقم رجل رجل فليأخذ بالركن اليمانيّ فليسأل اللّه تعالى حاجته فإنّه يعطى من سعة . قم يا عبد اللّه بن الزبير فإنّك أوّل مولود ولد في الهجرة .
فقام فأخذ بالركن اليمانيّ ثم قال : اللهمّ إنّك عظيم ترجى لكلّ عظيم : أسألك بحرمة وجهك وحرمة غرسك وحرمة بيتك أن لا تميتني حتّى تولّيني الحجاز ويسلّم عليّ بالخلافة .
وجاء حتّى جلس . فقالوا : « قم يا مصعب بن الزبير » . فقام حتى أخذ بالركن اليمانيّ فقال :
« اللهمّ ، إنّك ربّ كل شيء ، وإليك كلّ شيء أسألك بقدرتك على كلّ شيء أن لا تميتني حتى
هامش
( 1 ) لم تفهم الشدّ منه ومنها ، والحوار نفسه في الكامل وعن الطبري .
( 1 * ) سقوط في الرواية ، والإكمال من الطبريّ ، 6 / 189 والكامل 4 / 25 ، أو 354 .