تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
واعجبا لهذه الخشبيّة ينعون حسينا كأنّي أنا قتلته ! واللّه لو قدرت على قتلته لقتلتهم ! ثم قال لأبي عبد اللّه : أتحسبون أنّي أخلّي سبيلهم دون أن يبايع محمد وتبايعوا ؟ فقال : أي وربّ الركن والمقام ، لتخلّينّ سبيله أو لنجالدنّك بأسيافنا جلادا يرتاب منه المبطلون ! فكفّه ابن الحنفية وحذّره الفتنة ، وخرج ومن معه إلى شعب عليّ ، وهم يسبّون ابن الزبير . فاجتمع عند ابن الحنفيّة أربعة آلاف رجل وعزّوا وامتنعوا . فلمّا قتل المختار تضعضعوا ، فبعث ابن الزبير لابن الحنفية [ 148 ب ] : ادخل في بيعتي وإلّا نابذتك ! فسار يريد الشام حتى بلغ أيلة ، ثم عاد إلى مكّة ونزل شعب أبي طالب . فأرسل إليه ابن الزبير أن يرحل عنه وألحّ عليه في ذلك ، فقال : اللهمّ ألبس ابن الزبير لباس الذلّ والخوف ، وسلّط عليه وعلى أشياعه من يسومهم الذي يسوم الناس ! وسار إلى الطائف . فدخل عبد اللّه بن عبّاس على ابن الزبير وأغلظ له ، وخرج إلى الطائف أيضا من غير أن يبايعه ، فأقام به حتى مات . وفي سنة ستّ [ وستّين ] استولى عبيد اللّه بن زياد على الموصل وقطع منها دعوة ابن الزبير .

[ مقتل مصعب بن الزبير بالعراق ]

وفيها استعمل ابن الزبير أخاه مصعب بن الزبير على البصرة فقاتل المختار وقتله ، واستولى على الجبال والسواد ، وأعاد دعوة أخيه عبد اللّه بن الزبير بالكوفة والبصرة والموصل والجزيرة وأرمينية وأذربيجان . وفيها ولّى ابن الزبير ولده حمزة العراق عوضا عن مصعب ليباهي به بني مروان ، فظهر منه اختلاط وحمق فعزله وأعاد مصعبا . فلمّا قدم عليه حمزة قال : أين المال ؟ قال : وفد عليّ قومي فوصلتهم به . قال : مال هو لك أو لأبيك ؟ وأخذه وقيّده وحبسه في سجن عارم بمكّة . ولم يزل عبد اللّه بن الزبير يقيم بالناس الحجّ إلى أن كانت سنة ثمان وستّين [ ف ] وافى عرفات أربعة ألوية : لواء عبد اللّه بن الزبير وأصحابه ، ولواء محمد بن الحنفيّة وأصحابه ، ولواء لبني أميّة ، ولواء لنجدة بن عامر بن عبد اللّه بن سيّار مع مفرح الحنفي أحد الخوارج من الحروريّة . فلم تجر بينهم حرب ولا فتنة . فلمّا قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير في جمادى الأخرى سنة إحدى وسبعين غلب على العراق كلّه ودعا لنفسه . فلمّا بلغ عبد اللّه بن الزبير ذلك قام في الناس خطيبا فقال : الحمد للّه الذي له الخلق والأمر ، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء ، ويعزّ من يشاء ، ويذلّ من يشاء . ألا وإنّه لم يذلل اللّه من كان الحقّ معه ولو كان فردا ، ولم يعزز اللّه من [ كان ] الشيطان وليّه ولو كان الأنام كلّهم معه . ألا وإنّه قد أتانا من العراق خبر أحزننا وأفرحنا : أتانا قتل مصعب رحمة اللّه عليه « 1 * » . فأمّا الذي أحزننا فإنّ لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يرعوي من بعدها ذو الرأي إلى جميل الصبر وكرم العزاء . وأمّا الذي أفرحنا فإنّ قتله كان له شهادة ،
هامش
( 1 * ) هذا النعي مرويّ بصيغة مختلفة في الكامل 4 / 16 والعقد 4 / 109 . والطبريّ ، 6 / 66 .
المقفى الكبير — صفحة 211 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي