تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
درهم ، ثم كسوتك الأعراب وقولك لهم : « لأنجدنّكم دون أهل خراسان ! » وأعجب من هذا أنّي دفعت في صدر صاحبك بخراسان فقلت : أيضرب حاجبي ؟ ردّوه عنّا إلى العراق ! فقال أبو مسلم : إنّه لا يقال لي هذا القول بعد بلائي وعنائي . فقال : [ 95 أ ] يا ابن الخبيثة ! واللّه لو كانت مكانك أمة لأجزأت ! إنّما عملت ما عملت بدولتنا ، ولو كان الأمر إليك ما قطعت فتيلا ! ثم فتل شاربه وفرك يده . فلمّا رأى أبو مسلم فعله قال : يا أمير المؤمنين ، لا يدخلنّ نفسك ما أرى ! إنّ قدري أصغر من أن يبلغ شيء من أمري مثل هذا المبلغ ! وصفّق المنصور بإحدى يديه على الأخرى ، فضرب عثمان بن نهيك أبا مسلم ضربة خفيفة ، فأخذ برجل المنصور فدفعه برجله ، وضربه شبيب بن واج على حبل عاتقه ضربة أسرعت فيه فقال : وا نفساه ! ألا قوّة ؟ ألا مغيث ؟ فقال المنصور : اضربوا ابن اللخناء ! فاعتوره القوم بأسيافهم . وأمر به فلفّ في مسح أو عباءة وصيّر ناحية . وكان الطعام قد وضع للحرس وقت دخول أبي مسلم فكانوا قد شغلوا به فلم يعلم أحد منهم بمقتله . ووافى عيسى بن موسى الباب فاستؤذن له ، فقال المنصور : « أدخلوه ! » فلمّا وقف بين يديه قال : يا أمير المؤمنين ، أين أبو مسلم ؟ قال : ههنا آنفا . فقال : يا أمير المؤمنين ، قد عرفت طاعته ومناصحته ورأي الإمام - كان - فيه . فقال : اسكت يا ابن اللخناء ، يا ابن الشاة ! - وكانت أمّ عيسى توفّيت وهو صغير أو مرضت ، فأرضع لبن شاة - فو اللّه ما كان في الأرض عدوّ أعدى لك منه ! ها هو ذا في البساط ! واللّه ما تمّ سلطانك إلّا اليوم ! ودخل إسماعيل بن عليّ وهو لا يعلم بقتل أبي مسلم ، فقال : إنّي رأيت يا أمير المؤمنين في ليلتي هذه كأنّك قتلت أبا مسلم ، وكأنّي وطئته برجلي . فقال : قم فصدّق رؤياك ! فها هو في البساط . فقام فوطئه ، ثم رجع ورمى بخفّه وقال : « لا ألبس خفّا وطئت به مشركا ! » فأتي بخفّ فلبسه . ثم أنشد المنصور [ طويل ] :
وما العجز إلّا أن تؤامر عاجزا * وما الفتك إلّا أن تهمّ فتفعلا
وقال أبو دلامة [ الطويل ] :
أبا مسلم ما غيّر اللّه نعمة * على عبده حتى يغيّرها العبد أفي دولة المنصور حاولت غدره * ألا إنّ أهل الغدر آباؤك الكرد فلا يقطع اللّه اليمين التي بها * علاك صقيل الشفرتين له حدّ فما كان إلّا الموت في غمد سيفه * وما خلت أنّ الموت يضبطه غمد [ 96 ب ] أبا مسلم ، خوّفتني القتل فانتحى * عليك بما خوّفتني الأسد الورد فأصبحت في أهلي وأصبحت ثاويا * بحيث تلاقى في ذرى دجلة المدّ « 1 * »
وقيل : لمّا قتل أبا مسلم عثمان بن نهيك وشبيب بن واج وأبو حنيفة ورجلان من الحرس
هامش
( 1 * ) الأبيات في الأغاني 10 / 247 .