تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
أهل بيتكم العشوة « 1 » بالإفك والعدوان . ثم إنّ اللّه بحمده ونعمته استنقذني بالتوبة وكرّه إليّ الحوبة ، فإن يعف فقديما عرف ذلك منه ، وإن يعاقب فبذنوبي
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصّلت : 46 ] . فكتب إليه المنصور : قد فهمت كتابك ، وللمدلّ على أهل بيته بطاعته ونصيحته ونصرته ومحاماته وجميل بلائه مقال . ولم يرك اللّه في طاعتنا إلّا ما تحبّ . فراجع أحسن نيّتك وعملك ، ولا يدعونّك ما أنكرته إلى التجنّي ! فإنّ المغيظ ربّما تعدّى في القول فأخبر بما لا يعلم ، واللّه وليّ توفيقك وتسديدك . فاقدم رحمك اللّه مبسوط اليد في أمرنا محكّما فيما هويت الحكم فيه ، ولا تشمت الأعداء بك وبنا إن شاء اللّه ! فلمّا قدم وأكرمه ثم صرفه إلى منزله ليستريح ، ندم على انصرافه . فلمّا أصبح أبو مسلم غدا إلى المنصور فتلقّاه أبو الخصيب مرزوق فقال له : إنّ أمير المؤمنين مشغول ، فانصرف ساعة حتّى يفرغ . فأتى منزل عيسى بن موسى ، وكان يحبّه . وكان عيسى شديد التعظيم له . فدعا له عيسى بالغداء . فبينا هو [ 94 ب ] على ذلك إذ أتاه الربيع ، وهو يومئذ مع أبي الخصيب ، فقال له : يدعوك أمير المؤمنين - فركب . وشغل عيسى بالوضوء ، وقد كان أبو مسلم قال له : اركب معي فكأنّي قد أحسست بالشرّ ! فقال له : أنت في ذمّتي ، فتقدّم فإنّي لاحقك . فلمّا صار أبو مسلم إلى الرواق ، قيل له : أمير المؤمنين يتوضّأ ، فلو جلست ؟ فجلس . وأبطأ عليه عيسى فجعل يسأل عنه ، وأعدّ له المنصور عثمان بن نهيك ، وهو يومئذ على حرسه ، وأعدّ معه شبيب بن واج ، وأبا حنيفة « 1 * » صاحب الدرب ببغداد « 2 * » ، ورجلين من الحرس . وقال لعثمان بن نهيك : إذا عاتبته فعلا صوتي فلا تخرجوا - وكان أصحابه وراء ستر خلف أبي مسلم - فإذا أنا صفّقت فدونكم العلج ! ثمّ قيل لأبي مسلم : قد جلس أمير المؤمنين ، فقم ! فلمّا قام ليدخل نزع منه سيفه فقال : ما كان يصنع بي مثل هذا ! فقيل له : ليس ذاك إلّا لخير . وكان عليه قباء خزّ أسود ، وتحته جبّة خزّ بنفسجيّ . فدخل فسلّم وجلس على وسادة ليس في البيت غيرها ، والقوم خلف ظهره . فقال : يا أمير المؤمنين ، استخفّ بي وأخذ سيفي ! فقال : ومن فعل ذلك قبّحه اللّه ؟ ثم قال له : هيه ! قتلت أهل خراسان وفعلت وفعلت ! ثم جعلت [ . . . ] بمكّة ليصلّي هذا الغلام بالناس . وألقيت نعلي من رجلي فرفعت نفسك عن مناولتي إيّاها حتى ناولنيها معاذ بن مسلم . وأعجب من هذا إقعادك إيّاي في دهليزك بخراسان مستخفّا بحقّي حتى أشير عليك بخلاف ذلك ، فتكارهت على تسهيل إذني وفتح الأبواب لي ؟ ثمّ كتابك إليّ تبدأ بنفسك ، وخطبتك إليّ [ عمّتي ] آمنة بنت عليّ « 3 * » ، وقولك إنّك ابن [ سليط بن عبد اللّه بن عباس ] « 4 * » لقد ارتقيت يا ابن اللخناء مرتقى صعبا ! ثمّ ذمّك أخي وسيرته وقولك إنّه أوطأك العشوة وحملك على الإثم ، ثم أنت صاحبي بمكّة تنادي : من أكل طعام الأمير فله
هامش
- - وهي يعد غامضة . ( 1 ) وأوطأه عشوة بالتثليث : أركبه أمرا ملتبسا صعبا . ( 1 * ) ابن واج المرورّوذي وأبو حنيفة حرب بن قيس في الكامل . ( 2 * ) بغداد ستؤسّس سنة 145 . ( 3 * ) في المروج ، 2392 : أميمة بنت علي بن عبد اللّه بن عبّاس . ( 4 * ) الزيادات من الكامل 5 / 475 .
المقفى الكبير — صفحة 124 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي