هذا به ، وقد كان واللّه مبغضا لك كارها لخلافتك ؟
فقال : ما فعلت هذا إلّا شكرا للّه إذ قدّمه أمامي .
قال : أفلا أخبر أهل خراسان بهذا من رأيك ؟
فقد دخلتهم وحشة لك لما فعلت .
قال : بلى ، فأخبرهم .
فأخبرهم فكبّروا . وسمع يوم مات إسحاق بالهاشميّة وهو يتمثّل [ الطويل ] :
كفاك عديّا موته ولربّما * تغيظك أيّام له وليال
وولّى المنصور طارقا مولاه ضيعة من ضياعه بالشام فشكاه قوم منهم فقال المنصور : إنّما نقمتم عليه ما اخترته له .
فقالوا : إنّه عبد ، وربّما صلّى بنا .
فقال : هو حرّ ، فصلّوا خلفه !
فقام متكلّمهم فقال : ثب !
فضحك ، وكتب إلى طارق بالرفق بهم .
وكان المنصور ربّما علّق البواري على أبوابه في الشتاء وقال : هي أقوى .
وقدّمت إليه عصيدة فقال : ليس هذه العصيدة التي نعرف . ليعمل لنا تمرها بنواه !
فلمّا كان الغد حضر غداؤه ، وفيه قصعة فيها ثردة صفراء عليها عراق ، فأكل منها . ثمّ رفعت وأتى بلونين . فلمّا رفعا أتى بالعصيدة فأكل منها أكلا صالحا ، وقال : هذه هي ! هذه هي !
فلمّا رفعت المائدة غسل يده ودعا ببخور فبخّرها ثم قال : إنّما فعلت هذا لأنّي أريد الجلوس للناس ، ومنهم من يقبّل يديّ .
وقال مرّة لعبد اللّه بن الربيع : قد عرفتني سوقة وخليفة ، فهل رأيتني كلفا قطّ بأمر مطعم أو مشرب أو ملبس ؟
قال : لا ، ولكن رأيتك تلذّ حسن الذكر وتتّقي الضّيم وتضع الأمور مواضعها .
وكان إذا ولد للرجل من أهل بيته مولود ذكر أمر له من دار الرقيق بظئر وجارية تخدمه ووصيف ، وأمر لأمّه بجاريتين ومائتي دينار وطيب . وإذا [ 91 أ ] كان المولود أنثى بعث بنصف ذلك .
وقدم عليه إسحاق الأزرق مولاه بامرأتين كان أشخصه لحملهما . إحداهما فاطمة بنت محمد الطلحيّة ، والأخرى أمة الكريم بنت عبد الرحمن بن عبد اللّه من ولد خالد بن أسيد بن أبي العيص - وقيل : هي العالية بنت عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن خالد ابن أسيد . فقالت له ديسانة قيّمة نسائه : يا أمير المؤمنين إنّ الطلحيّة قد استجفتك واستبطأت برّك وأنكرت - وصاحبتها - تركك الدعاء بهما . فقال :
أما ترين ما نحن فيه ؟ - وكان إبراهيم بن عبد اللّه قد خرج بالبصرة - ثم أنشد [ البسيط ] :
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم * دون النساء ولو باتت بأطهار
وقال : ما أنا بناظر إلى امرأة حتّى أدري أرأسي لإبراهيم أم رأس إبراهيم لي .
وكانت عليه جبّة قد اتّسخ جيبها ، فقيل له : لو نزعتها وغيّرتها ؟
فقال : لا واللّه ! أو أدري أهي لي أم لإبراهيم ؟
وقال عبد اللّه بن الربيع الحارثيّ : قال لي أبو العبّاس السفّاح ذات يوم : « إنّي أريد أن أبايع لأبي جعفر أخي » . فأخبرت أبا جعفر بذلك ، فأمر لي بكسوة ومال . فقلت : « أصلح اللّه الأمير ! إنّ لك مؤونة ، ولعلّه أن يأتيك من أنا أعذر لك منه » .
فأمر بردّ ذلك . وقمت فانصرفت . وراح ورحت إلى أبي العبّاس ، فدخل عليه وجلست غير بعيد .