وقال الرشيد : أدخلت على المنصور وأنا صبيّ ، فرأيته جالسا على حصير متّكئا على مسورة « 1 » ، فدعا بعشرة دنانير جدد فوهبها لي وأخذني وقبّلني وصرفني .
وكان المنصور يخرج من مقصورة النساء ليلا يريد المسجد ، ومعه جارية حبشيّة أو صفراء تحمل له سراجا .
وكان يقول : الملوك ثلاثة : معاوية ، وكفاه زياد ، وعبد الملك ، وكفاه الحجّاج . وأنا ، ولا كافي لي .
وكان يذكر بني أميّة فيقول : رجلهم هشام .
وكان يقول : الخلفاء أربعة ، والملوك أربعة .
فالخلفاء : أبو بكر وعمر وعليّ ، وعثمان على ما نال وقد نيل منه أعظم . والملوك : معاوية ، وعبد الملك ، وهشام وأنا . ولنعم الرجل كان عمر بن عبد العزيز ! كان أعور بين عميان . ونعم صاحب الحرب حمار الجزيرة من رجل لم يكن عليه طابع الخلافة - يعني مروان بن محمد .
وأتى ابن ليوسف بن عمر « 2 » المنصور فوصله بثلاثة آلاف درهم . فقال : يا أمير المؤمنين ، أمّلت منك أكثر من هذا .
فقال : هذه كانت صلة أبيك لنا ؟
فقال : يا أمير المؤمنين ، فأين فضل قريش على ثقيف ، وفضل الخلافة على الإمارة ؟
فضحك وأمر له بعشرة آلاف درهم .
وقال المنصور : معاوية للحلم والأناة ، وعبد الملك للإقدام والإحجام ، وهشام لتقسيط الأمور ووضعها مواضعها . وشاركت عبد الملك في قول
كثيّر [ الطويل ] « 1 * » :
يصدّ ويغضي ، وهو ليث عرينة * وإن أمكنته فرصة لا يقيلها
وقال : إنّ الحلم يزيد العزيز عزّا والذليل ذلّا .
وقال لسفيان بن معاوية : ما أسرع الناس إلى قومك !
فقال [ البسيط ] :
إنّ العرانين تلفاها محسّدة * ولن ترى للئام الناس حسّادا
قال : صدقت .
وبينا المنصور يخطب إذ قام رجل فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ( 2 )
[ الصفّ : 2 ] فأخذ . فلمّا قضى المنصور صلاته ودخل القصر دعا به فقال : طالت صلاتك وكثر صومك فضجرت من الحياة وقلت : أعترض هذا الرجل فأعظه ، فإن قتلني دخلت الجنّة ، وهيهات أن تدخلها بي ! خلّوا سبيله !
وخطب في بعض الجمع فقام رجل من الصوفيّين فقال :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
[ البقرة : 44 ] فأخذ . فلمّا فرغ من خطبته أمر أن يضرب أربعين درّة فضرب . ثم دعا به فقال : « إنّا لم نضربك لقولك ، إنّما ضربناك لكلامك في الخطبة ، فلا تعد ! » وأمر بتخلية سبيله .
وخطب مرّة فلمّا قال [ 91 أ ] : « وأشهد ألّا إله إلّا اللّه » ، قام إليه رجل في أخريات الناس فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّي أذكّرك من ذكرت .
فقال : « سمعا سمعا لما ذكّر باللّه وأيّامه ! وأعوذ باللّه أن أكون جبّارا عنيدا وأن تأخذني العزّة
هامش
( 1 ) المسورة : متّكأ من جلد .
( 2 ) يوسف بن عمر الثقفيّ : ولي العراقين لبني أميّة سنة 120 . الوفيات ( 843 ) 7 / 101 .
( 1 * ) ديوان كثيّر : 261 بيت 12 .