ويذكر أنّ أوّل عمل وليه الحجّاج تبالة ، فلمّا سار إليها وقرب منها ، قال للدليل : أين هي ؟
وعلى أيّ سمت هي ؟
قال : تسترها عنك هذه الأكمة .
قال : لا أراني أميرا على عمل تستره عنّي أكمة . أهون بها عليّ !
وكرّ راجعا ، فقيل في المثل : أهون من تبالة على الحجّاج .
* * * ولمّا حضرت الحجّاج الوفاة ، قال للمنجّم :
هل ترى ملكا يموت ؟
قال : أرى ملكا يموت اسمه كليب ، وأنت اسمك الحجّاج .
قال : أنا واللّه كليب : أمّي سمّتني به وأنا صبيّ .
فمات .
* * * واستخلف على الخراج يزيد بن أبي مسلم ، وعلى الحرب يزيد بن أبي كبشة .
وقال الحجّاج مرّة لعبد الرحمن بن الأشعث :
عمدت إلى مال اللّه فجعلته تحت . . . - وتلجلج خوفا من أن يقول قذعا أو رفثا كما يقول الناس :
تحت استك - ثم قال : تحت ذيلك .
وكتب الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان يعظّم أمر قطريّ . فكتب إليه عبد الملك : أوصيك بما أوصى به البكريّ زيدا .
[ فقال الحجّاج لحاجبه : ناد في الناس : من يخبر الأمير بما أوصى به البكريّ زيدا ] ، فله عشرة آلاف درهم « 1 » .
فقال له رجل : أنا أخبره .
فأدخله عليه ، فقال له : ما قال البكريّ لزيد ؟
قال : قال لابن عمّه زيد - والشعر لموسى بن جابر الحنفيّ - [ الطويل ] :
أقول لزيد : لا تثرثر فإنّهم * يرون المنايا دون قتلك أو قتلي
فإن وضعوا حربا فضعها ، وإن أبوا * فشبّ وقود الحرب بالحطب الجزل
وإن عضّت الحرب الضروس بنابها * فعرضة حرّ الحرب مثلك أو مثلي
فقال الحجّاج : صدق أمير المؤمنين : عرضة نار الحرب مثله أو مثلي .
[ قصّة المتمنّية أمّ الحجّاج مع نصر ]
وحضر الحجّاج يوما مجلس عبد الملك بن مروان ، وعروة بن الزبير عنده يحدّثه ويقول : قال أبو بكر كذا ، وسمعت أبا بكر يقول كذا - يعني أخاه عبد اللّه بن الزبير ، فقال الحجّاج : أعند أمير المؤمنين تكنّي أخاك المنافق ، لا أمّ لك !
فقال عروة : يا ابن المتمنّية ، ألي تقول : لا أمّ لك ، وأنا ابن عجائز الجنّة ، صفيّة وخديجة وأسماء وعائشة ، رضوان اللّه عليهنّ ؟
وهذه المتمنيّة هي الفريعة بنت الهمام ، أمّ الحجّاج ، وقيل : إنّ أصحاب الحجّاج كانوا يصيحون بابن الزّبير أيّام محاربته بمكّة : يا ابن ذات النطاقين ! - وهم يظنّون ذلك سبّا ، فيقول عبد اللّه بن الزبير : أمّي واللّه ! - وينشد بيت أبي ذؤيب [ الطويل ] :
وعيّرها الواشون إنّي أحبّها * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
[ 338 ب ] ويحمل ويقول : مكانك يا ابن المتمنّية - يعني أمّ الحجّاج .
هامش
( 1 ) زيادة من ذيل الأمالي 71 .