ما سدّ حيّ ولا ميت مسدّهما * إلّا الخلائف من بعد النبيّين « 1 »
فقال : ما صنعت شيئا ، إنّما زدت في حزني .
فقال الفرزدق [ الطويل ] :
لئن جزع الحجّاج ما من مصيبة * تكون لمحزون أجلّ وأوجعا
من المصطفى والمصطفى من خيارهم * جناحيه لمّا فارقاه فودّعا
أخ كان أغنى أيمن الأرض كلّه * وأغنى ابنه أهل العراقين أجمعا
جناحا عقاب فارقاه كلاهما * ولو نزعا من غيره لتضعضعا « 2 »
قال : الآن !
وكتب الحجّاج بعد وفاة أخيه محمد بن يوسف إلى الوليد بن عبد الملك : أخبر أمير المؤمنين أكرمه اللّه أنّه أصيب لمحمّد بن يوسف خمسون ومائة ألف دينار ، فإن يكن أصابها من حلّها فرحمه اللّه ، وإن تكن من خيانة فلا رحمه اللّه !
فكتب إليه الوليد : أمّا بعد ، فقد قرأ أمير المؤمنين كتابك فيما خلّف محمد بن يوسف ، وإنّما أصاب ذلك المال من تجارة أحللناها له ، فترحّم عليه رحمه اللّه .
[ الحجّاج وجرير ]
ولمّا دخل جرير بن الخطفى العراق أتى أبا يوسف الحكم بن أيّوب بن يحيى بن الحكم بن أبي عقيل الثقفيّ ، وهو على البصرة ، فكتب الحكم في ذلك إلى الحجّاج : إنّه قدم عليّ أعرابيّ باقعة لم أر مثله .
فكتب إليه أن يحمله معه ، فلمّا دخل عليه قال :
يا جرير ، بلغني أنّك ذو بديهة فقل في هذه الجارية
- لجارية قائمة على رأسه - فقال جرير : ما لي أن أقول فيها حتّى أتأمّلها ، ومالي أن أتأمّل جارية الأمير .
فقال : بلى .
فتأمّلها وسألها وقال لها : ما اسمك يا جارية ؟
فأمسكت فقال الحجّاج : خبّريه يا لخناء .
فقالت : أمامة .
فقال جرير [ الكامل ] :
ودّع أمامة حان منك رحيل * إنّ الوداع لمن تحبّ قليل
مثل الكثيب تهايلت أعطافه * والريح تجبر متنه وتهيل
هذي القلوب صواديا تيّمتها * وأرى الشفاء وما إليه سبيل « 3 »
فقال الحجّاج : قد جعل اللّه لك السبيل إليها ، خذها ! هي لك .
فضرب بيده إلى يدها فتمنّعت عليه ، فقال :
إن كان طبّكم الدلال فإنّه * حسن دلالك يا أميم جميل
فاستضحك الحجّاج ، وأمر بتجهيزها معه إلى اليمامة ، وكانت من أهل الريّ ، وكان إخوتها أحرارا ، فاتبعوه فأعطوه بها حتى بلغوا عشرين ألفا ، فلم يفعل .
وقال الوليد بن عبد الملك للحجّاج في وفدة وفدها عليه : هل لك في الشراب ؟
قال : يا أمير المؤمنين ، ليس بحرام ما أحللته ، ولكنّي أمنع أهل عملي منه ، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح ، وما أريد أن أخالفهم إلى ما أنهاهم عنه .
فأعفاه .
* * *
هامش
( 1 ) هذان البيتان مفقودان من الديوان .
( 2 ) ديوان الفرزدق 494 ، مع اختلاف كثير .
( 3 ) ديوان جرير ، نشر الصاوي 472 .