الرجال وأهلكت العيال .
ثمّ قالت : إنّي قد قلت في الأمير قولا .
قال : هاتي .
فأنشأت تقول [ الطويل ] :
أحجّاج ، لا يفلل سلاحك ، إنّما ال * منايا بكفّ اللّه حيث يراها
أحجّاج ، لا تعطي العداة مناهم * ولا اللّه يعطي للعداة مناها
إذا هبط الحجّاج أرضا مريضة * تتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العقام الذي بها * غلام إذا هزّ القناة سقاها « 1 »
فقال : لا تقولي : غلام قولي : همام !
( قالت : )
5 سقاها فروّاها بشرب سجاله * دماء رجال حيث مال حشاها
إذا سمع الحجّاج رزّ كتيبة * أعدّ لها قبل النزول قراها « 2 »
أعد لها مسمومة فارسية * بأيدي رجال يحلبون صراها « 3 »
فما ولد الأبكار والعون مثله * ببحر ولا أرض يجفّ ثراها
فقال الحجّاج : قاتلها اللّه ! واللّه ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها .
ثمّ التفت إلى عنبسة [ بن سعيد ] فقال : واللّه إنّي لأعدّ للأمر عسى أن لا يكون أبدا .
والتفت إليها فقال : حسبك !
فقالت : قد قلت أكثر من هذا .
فقال : حسبك ، ويحك ، حسبك ! ( ثمّ قال : ) يا غلام ، اذهب بها إلى فلان وقل له : اقطع لسانها .
فذهب بها فقال : يقول لك الأمير : اقطع لسانها .
فاستدعى الحجّام ، فالتفتت إليه وقالت :
ثكلتك أمّك ، أما سمعت ما قال ؟ إنما أمرك أن تقطع لساني بالبرّ والصلة .
فبعث إلى الحجّاج يستثبته ، فاستشاط غضبا وهمّ بقطع لسانه ، فقال : « ارددها ! » فلمّا دخلت عليه قالت : « كاد واللّه أيّها الأمير يقطع مقولي » .
ثمّ أنشأت تقول [ البسيط ] :
حجّاج ، أنت الذي ما فوقه أحد * إلّا الخليفة والمستغفر الصمد
[ 336 أ ] حجّاج أنت شهاب الحرب إن * لقحت وأنت للناس نور في الدجى يقد
فأقبل على جلسائه ، فقال : أتدرون من هذه ؟
قالوا : لا واللّه أيّها الأمير ، إلّا أنّنا لم نر امرأة قطّ أفصح لسانا ، ولا أحسن محاورة ، ولا أملح وجها ، ولا أرصن شعرا منها .
فقال : هذه ليلى الأخيليّة التي مات توبة بن الحميّر الخفاجي في حبّها .
ثمّ قال لها : أنشدينا يا ليلى بعض ما قال توبة فيك .
قالت : نعم ، أيّها الأمير ، هو الذي يقول [ الطويل ] « 4 » :
وهل تبكين ليلى إذا متّ قبلها * وقام على قبري النساء الصوائح
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها * وجاد لها دمع من العين سافح
هامش
- تدع لنا فصيلا ولا ربعا ، والربع : فصل الربيع .
( 1 ) الداء العقام : الذي لا يرجى منه برء .
( 2 ) الرزّ بالكسر : صوت الرعد .
( 3 ) الصرى : البقيّة من اللبن في الضّرع .
( 4 ) انظر ديوان توبة بن الحمير ص ص 48 - 50 تحقيق خليل إبراهيم العطيّة بغداد 1968 .