ففعل ، فخرج فيروز فأحلّ الناس من ودائعه ، وأعتق رقيقه وتصدّق بماله . ثمّ ردّ إلى الحجّاج فقال : شأنك الآن ، فاصنع ما شئت !
فشدّ في القصب الفارسيّ ، ثمّ سلّ حتّى شرح ، ثمّ نضح بالخلّ والملح ، فما تأوّه حتّى مات .
* * * ويروى عن ابن هبيرة قال : إنّا لنتغدّى مع الحجّاج يوما إذ جاءه رجل من بني سليم برجل يقوده ، فقال : أصلح اللّه الأمير ، إنّ هذا عاص .
فقال له الرجل : أنشدك اللّه أيّها الأمير في دمي .
فو اللّه ما قبضت إيوانا قطّ ، ولا شهدت عسكرا .
وإنّي لحائك أخذت من تحت الحفّ « 1 » ، فقال :
« اضربوا عنقه » . فلمّا أحسّ بالسيف سجد ، فلحقه السيف وهو ساجد ، فأمسكنا عن الأكل . فأقبل الحجّاج فقال : ما لي أراكم صفرت أيديكم « 2 » واصفرّت وجوهكم وحدّ نظركم من قتل رجل واحد ؟ إنّ العاصي يجمع خلالا تخلّ بمركزه ويعصي أميره ويغرّ المسلمين من نفسه ، وهو بعد أجير لكم ، وإنّما يأخذ الأجرة لما يعمل ، والوالي مخيّر فيه ، إن شاء قتل ، وإن شاء عفا .
[ بين الحجّاج والمهلّب ]
ولمّا هزم المهلّب بن أبي صفرة قطريّ بن الفجاءة ، كتب إلى الحجّاج : الحمد للّه الكافي بالإسلام فقد ما سواه ، الذي وصل المزيد بالشكر والنّعمة بالحمد ، وقضى ألّا ينقطع المزيد منه حتى ينقطع الشكر من عباده .
أمّا بعد ، فكان من أمرنا ما قد بلغك ، وكنّا نحن وعدوّنا على حالتين مختلفتين : يسرّنا منهم أكثر
ممّا يسوءنا ، ويسوءهم منّا أكثر ممّا يسرّهم ، على اشتداد شوكتهم . فقد كان علن أمرهم حتى ارتاعت له القناة ، ونوّم به الرضيع ، فانتهزت منهم الفرصة في وقت إمكانها ، وأدنيت السواد من السواد حتّى تعارفت الوجوه . فلم تزل كذلك حتى بلغ الكتاب أجله ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد للّه ربّ العالمين .
فكتب إليه الحجّاج : أمّا بعد ، فإنّ اللّه قد فعل بالمسلمين خيرا ، وأراحهم من حدّ الجهاد ، وكنت أعلم بما فيك ، والحمد للّه ربّ العالمين . فإذا ورد عليك كتابي ، فأقسم في المجاهدين فيئهم ، ونفّل الناس على قدر بلائهم ، وفضّل من رأيت تفضيله .
وإن كانت بقيت من القوم بقيّة ، فخلّف خيلا تقوم بإزائهم ، واستعمل على كرمان من رأيت ، وولّ الخيل شهما من ولدك ، ولا ترخّص لأحد في اللّحاق بمنزله دون أن تقدم بهم عليّ ، وعجّل القدوم إن شاء اللّه .
فولّى المهلّب ابنه يزيد كرمان ، وقدم على الحجّاج ، فأجلسه إلى جانبه وأكرمه وقال : يا أهل العراق ، أنتم عبيد المهلّب .
[ 335 أ ] ثمّ قال : واللّه كما قال لقيط الإياديّ [ البسيط ] « 3 » :
وقلّدوا أمركم للّه درّكم * رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا يطعم النوم إلّا ريث يبعثه * همّ يكاد حشاه يقصم الضلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده * ولا إذا عصّ مكروه به خشعا
ما زال يحلب هذا الدهر أشطره * يكون متّبعا طورا ومتّبعا
هامش
( 1 ) حاشية في الهامش : الحفّ بغير هاء : النسج ، والحفّة :
الخشبة التي يلفّ عليها الحائك الثوب .
( 2 ) حاشية أيضا : صفرت : أي : خلت من الطعام .
( 3 ) حاشية في الهامش : لقيط بن معمّر . قال هذا الشعر يحرّض قومه ويحذّرهم كسرى . والأبيات في الأغاني 22 / 393 ، وفي العقد 5 / 268 .