قالت : زدني !
قال : لك ثلاثمائة .
فقال بعض جلسائه : إنّها غنم !
قالت : الأمير أكرم من أن يعطي غنما !
فاستحيى الحجّاج ، وقال : « اجعلوها إبلا » ، وما كان أراد إلّا غنما .
وممّا مدحه به الفرزدق [ البسيط ] « 1 » :
إنّ ابن يوسف محمود خلائقه * سيّان معروفه في الناس والمطر
هو الشهاب الذي يرمى العدوّ به * والمشرفيّ الذي تمضي به مضر « 2 »
لا يرهب الموت إنّ النفس باسلة * والرأي مجتمع والجود منتشر
أحيا العراق وقد ثلّت دعائمه * عمياء صمّاء لا تبقي ولا تذر
ونازع أبان [ الحارث ] فحجّ بالناس ، فقال الحارث [ الطويل ] :
[ ف ] إن تنج منها يا أبان مسلّما * فقد أفلت الحجّاج خيل شبيب
فقال الحجّاج : وا عجبا للحارث ! يغلبه أبان ويهجوني !
[ تحويله الدواوين إلى العربيّة ]
وفي أيّام الحجّاج قلب الديوان من الفارسيّة إلى العربيّة ، وذلك أنّ صالح بن عبد الرحمن كان منقطعا إلى زادان فروخ كاتب الحجّاج ، وهو كان سببه إلى الحجّاج ، فخفّ صالح للحجّاج حتّى كاد
زادان ، فشقّ عليه ذلك . فقال صالح لزادان : إنّك سببي إلى هذا الرجل ، وإنّي أراني قد خففت لديه خفّة لست آمن أن يقدّمني عليك وأن تسقط .
قال : لا تخف ! ذاك عليّ ، وهو أحوج إليّ منّي إليه .
قال : كيف ذلك ؟
قال : لا يجد من يكفيه حسابه غيري .
قال : لو شئت حوّلت الحساب بالعربيّة .
قال : حوّل منه سطرا حتى أرى .
فكتب منه أسطرا ، فلمّا رأى ذلك زادان قال لصالح : « تمارض ! » فتمارض ، فسأل الحجّاج عنه ، فقيل : شاك .
فأرسل إليه طبيبه فلم ير علّة ، فأرسل [ صالح ] إلى زادان يخبره فقال له : اظهر وائته !
وانصرف [ زادان ] إلى أصحابه ، وقال : اطلبوا صنعة غير هذه .
وأجّل الحجّاج صالحا أجلا حتّى قلب الديوان .
ولمّا مات الحجّاج خطب عبد الملك بن الحجّاج ، وكان قد استخلفه أبوه على الصلاة ، فقال : « أنعى إليكم أسد الأسود وفارس الفرسان » ، ثمّ دفنه وأجرى الماء على قبره لئلّا يعرف مكانه .
ورثاه الفرزدق ، وقال الهيثم بن عديّ : قدمت وفود العرب على سليمان بن عبد الملك بعد ما استخلف ، فأمرهم أن يشتموا الحجّاج فقاموا يشتمونه ، فقال بعضهم : إنّ عدوّ اللّه كان عبدا دبّابا قنوّر ابن قنوّر ، لا نسب له في العرب « 3 » .
هامش
( 1 ) ديوان الفرزدق نشر الصاوي 435 .
( 2 ) حاشية في الهامش : أي يجعلون سيوفه تمضي . ولكنّ الديوان - وكذلك المخطوط - أثبت تعصى ، وقال شارح الديوان : تتّخذه كالعصا تعتمد عليه .
( 3 ) القنوّر : السيّئ الخلق الشّرس ، وكذلك : الدعيّ في نسبه . وفي اللسان ( دبب ) : رجل دبوب وديبوب : نمّام .
ولعلّ « دبّاب » منها .