تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
قال : فإنّي أتوب إلى اللّه عزّ وجلّ على يديك . قال : وأيّ توبة تقبل منك ، وقد خرجت عن مذهبك ؟ قال : بماذا ؟ قال : بالفرار من الزحف ، وهو من الكبائر عندنا أولياء اللّه ، وعندكم ، أعداء اللّه ، كفر وشرك ، هذا وأنت الضامن لأصحابك أنك لا تنهزم أبدا . قال : ومتى انهزمت ؟ قال : من سوسة ، ثمّ من القيروان ، ثمّ من تماديت « 1 » ، ثمّ من باغاية . قال : بل أردت دخول المغرب فرحلت من القيروان . قال : بل أخرجك منها ابن رسول اللّه بسيف جدّه صاغرا مهزوما ذليلا خازيا طريدا . فسكت . فقال له المنصور : ثمّ استعملت الكذب . قال : ومتى كذبت ؟ قال : في كتابك إلى الأمويّ الشقيّ تزعم فيه أنّك حصرتني وقتلت رجالي وأخذت فازتي . قال : ما كتبت هذا . قال : يا غلام ، أحضر كتبه التي أخذناها مع رسوله ! قال : العفو ! قال : ومن العجب أنّك تعدّ نفسك من الدهاة وتراها أهلا لتدبير الحروب وسياسة الأمور ، وامرأة من سفلة الناس كانت أعقل منك . قال : ومن هي ؟ قال : امرأتك التي حذّرتك سوء العاقبة وأشارت عليك « 2 » بالاعتراف بذنبك ، والتوبة إلى اللّه عزّ وجلّ ربّك ، فلو أطعتها لأصبت رشدك . قال : لقد قالت ذلك . قال : أتدري لم بلغت ما بلغت ، على خساستك وجهلك وسوء حالك ؟ قال : بالقيام للّه . قال : معاذ اللّه ! من قام للّه نصره اللّه . ولن يقوم للّه إلّا أولياء اللّه « 3 » . قال : فبما ذا ؟ قال : بهوانك على أمير المؤمنين ، واحتقاره إيّاك ، واستصغاره لشأنك . ولقد كان يقول : لو أخذ عدوّ اللّه بحلقتي هذا الباب ما خرجت إليه ، ليبلو اللّه المؤمنين ويمحق الكافرين . والذي نفسي بيده ، لينجزنّ اللّه لنا وعده ولو كره المشركون ! فسكت . فقال له : عندنا أن نحسن إليك ونتفضّل عليك ، ولن ينالك من عقوبتنا أكثر من سجنك في دار واسعة ورزق دارّ لتعلم أنّي ابن رسول اللّه وأنّ اللّه فضّل أخلاقنا كما طهّر أعراقنا . فو اللّه ما لي في قتلك درك ثأر ولا شفاء غيظ . أخزى اللّه دولة لا يحييها إلّا موتك ! ثمّ أمر بحمله فحمل وهو يقول : جزاك اللّه خيرا ! فقد فعلت ما يشبهك .

[ وفاة الثّائر البربريّ والتّمثيل بجثّته ] :

وأقام إلى ليلة الخميس آخر المحرّم فمات من الجراح التي أصابته . ولمّا أصبح أمر بإدخاله القفص الذي كان أعدّه له ، وجعل معه قردين يلعبان عليه ، وأخرجه إلى الخندق تحت قلعة
هامش
( 1 ) في المخطوط : تامديت . ( 2 ) في المخطوط : إليك . ( 3 ) في المخطوط : الأولياء اللّه .