وذلك أنّهم أصابوا في القلعة دبّا أنيسا ، وفي القرية طاووسا . ثمّ سار إلى معركة « بلاطة » [ وهو ملك صقلّيّة ] « 1 » فظهر له فيها جمع من الروم فنازلهم وواضعهم الحرب فانهزم المشركون ، وأصيب لهم خيل وسلاح . ومن ذلك اليوم سمّيت معركة بلاطة . ثمّ دخل إلى حصون الروم ومدنهم وقراهم ينسفها ويغير عليها . وبعث السرايا إلى قصور صقلّيّة وقراها فأصابوا سبيا كثيرا ، ومن الدوابّ والمواشي ما لا يحصى كثرة .
وكثرت الغنائم عند المسلمين وصاروا في رغد من العيش ، حتى نزل على سرقوسة ، وحصر أهلها أشدّ الحصار ، ونصب عليهم المجانيق وقالهم برّا وبحرا .
[ محاصرته سرقوسة واستشهاده بها ] :
وكانت المراكب تأتيهم من القسطنطينيّة لتنصرهم ، فربّما تغلّب المسلمون عليها قبل دخولها .
وبثّ السّرايا من كلّ جهة ، واختطّ الناس المنازل من سرقوسة إلى قطانية وما حولها ، وتزوّج المسلمون في الروم وسكنوا القرى ، وسارع الناس إلى إمدادهم والغزو إليهم من إفريقية والأندلس وغيرهما ، وأتتهم مراكب من الأندلس فيها كليب الأعرج ورجل يقال له المشّاط فنزلوا وافتتحوا قلعة تعرف بقلعة حفص . وأحرق أسد مراكب سرقوسة وقتل جماعة من أهلها فانقطعت الموادّ عن سرقوسة ، واشتدّ عندهم الغلاء وذبحوا خيولهم . وأشير على أسد أن يرجع
وقيل له : سلامة مسلم واحد خير من الروم بأسرهم ، فأبى أن يرجع وقال : ما كنت لأضيّع على المسلمين غزاة وفيهم خير كثير .
وأمر بالزحف وأخذ اللواء بيده وقرأ سورة يس حتّى فرغ منها ، ثمّ قال : [ 146 أ ] أيها الناس ، لا تهابوهم ، إنّهم عبيدكم ، هربوا من أيديكم ، ثمّ هم قد وقعوا لكم - يشير إلى من انهزم من الروم - عند فتح إفريقية .
ثمّ إنّه زحف وقاتل قتالا كثيرا ، واشتدّت الحرب ، وهزم اللّه المشركين ، وكانوا في مائة ألف وخمسين ألفا . وقتل ملكهم في خلق كثير منهم .
وجرح أسد ، فلم تزل به جراحته حتى [ 176 ب ] مات وهو على حصار سرقوسة في شهر رجب سنة ثلاث عشرة ومائتين . فدفن بمدينة بلرم .
724 - شمس الخلافة [ - 506 ] « 2 »
[ 147 أ ] أسد ، الملقّب شمس الخلافة ، متولّي عسقلان [ للآمر الفاطميّ ] .
[ . . . ] فلمّا كانت سنة اثنتي عشرة وخمسمائة « 3 » عزم على الغدر والتغلّب على عسقلان ، وأخرج القاضي وصاحب الترتيب « 4 » على أنّه يرسلهما إلى الباب في خدمة عرضت له .
وعيّن من العسكر من يخافه وأوهمهم أنّه يبعثهم
هامش
( 1 ) في المنقول التباس وغموض ، ورواية المالكي أثبت :
فبلاطة هو ملك صقلّية زحف إلى الفاتحين في مائة وخمسين ألفا ، وكأنّ المقريزيّ خلط بين وقعة « بلاطة » وحصار سرقوسة . أمّا الريش فقد قرأها محمد الطالبيّ :
الإمارة الأغلبيّة . 459 هامش 312 : الرفش .
( 2 ) اتّعاظ الحنفاء 3 / 46 - 51 . والكامل 10 / 480 ( حوادث 504 ) .
( 3 ) هذا التاريخ خطأ واضح . ففي الاتّعاظ 3 / 51 أنّ هذا الوالي المارق المتعامل مع بغدوين الصليبيّ قتل سنة 506 : وكان قدوم رأسه في مستهلّ المحرّم صحبة ثلاثة من الكتاميّة . . .
( 4 ) عند دوزي ( رتبة ) : مراكز حرّاس المسالك فلعلّ صاحب الترتيب هو الساهر على هذه المراكز .