تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
الدولة من القلعة وسلّمها إلى الأمير مكين الدولة أبي عليّ الحسن بن علي بن ملهم بن دينار العقيليّ نائب المستنصر ، وسار من حلب إلى مصر . فلمّا بلغ رفح سمع بالقبض على اليازوريّ فقال : واللّه إنّي أموت بحسرة ونظرة إلى من استلبني من ذلك الملك وأخرجني بلا رغبة ولا رهبة إلّا بحسن السياسة . ولو رام ذلك منّي قسرا ربّما تعذّر عليه « 1 » . وسار حتى قدم على المستنصر بالقاهرة في المحرّم سنة خمسين وأربعمائة ، فعوّضه عن حلب مدينة عكّا وبيروت وجبيل . فاتّفق في مدّة إقامته بمصر قتل البساسيريّ . فسار أسد الدولة أبو ذؤابة عطيّة بن صالح بن مرداس إلى الرحبة وأخذ جميع ما تركه البساسيريّ بها من السلاح الذي لم ير مثله كثرة وجودة . فطمع بنو كلاب في حلب وقدّموا عليهم محمود بن نصر بن صالح بن مرداس . فسار إليها في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وتسلّمها . فانحاز مكين الدولة بن ملهم إلى القلعة وأنفذ إلى المستنصر يطلب النجدة . فوصل إليه ناصر الدولة أبو علي الحسين ، ابن ناصر الدولة الحسن بن الحسين بن حمدان ، وكانت وقعة الفنيدق ، وهو المعروف بتلّ السلطان ، وأسر ابن حمدان ، وعاد محمود بن نصر إلى حلب . فلمّا بلغ ذلك المستنصر صرف معزّ الدولة عن عكّا وبيروت وجبيل ، وقال له : إنّ هذه أخذتها عوضا عن حلب . وقد [ 350 أ ] عادت إلى ابن أخيك . فامض إلى حلب واستعدها منه . فعاد إلى أن وصل إلى معرّة النعمان . فسيّر محمود أبا محمد عبد اللّه بن محمد الخفاجيّ رسولا إلى ملك الروم يستنجد به على عمّه معزّ الدولة . ثم صالح محمود عمّه وسلّم إليه حلب يوم الاثنين أوّل شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين . فلم يزل بها حتى مات فيها يوم الخميس لستّ بقين من ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة . فدفن في مقام إبراهيم الفوقانيّ بقلعة حلب ، وبقي إلى أيّام الملك رضوان فقلع وبلط عليه . وكان معزّ الدولة كريما حليما . حكي أنّ العرب اقترحوا عليه مضيرة ، فتقدّم إلى وكيله أن يطبخها لهم ، وسأله : كم ذبحت لأجلها ؟ . فقال : سبعمائة وخمسين رأسا . ويحكى عن حلمه أنّ فرّاشا صبّ يوما على يده ماء بإبريق كان في يده ، فصادفت أنبوبة الإبريق بعض ثنيّة معزّ الدولة فكسرتها وسقطت في الطشت ، وهمّ به الغلمان فمنعهم ، وأمر برفعها وعفا عنه . فقال ابن أبي حصينة فيه من أبيات [ الوافر ] :
حليم عن جرائمنا إليه * وحتى عن ثنيّته انقلاعا
وقدم عليه الوزير فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير فاستوزره وفوّض أموره إليه جميعها . فحسد على مكانه وقرّبه منه ، وسعي به إليه . وكان معزّ الدولة له وفاء وذمّة فنبّهه على ما سعي به إليه ، فاستأذنه أبو نصر في المفارقة فأذن له ، وسار من حلب ، وذلك في سنة ستّ وأربعين وأربعمائة . ولمّا مات معزّ الدولة ولي بعده حلب أسد الدولة أبو ذؤابة عطيّة بن صالح بن مرداس .
هامش
( 1 ) في الاتّعاظ 2 / 260 : فليس يتعذّر عليه .