تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
بعث به السلطان في طلبه فأخذ يتوضّأ والجمداريّة تتوالى عليه ، فلم يفرغ من وضوءه حتى صار عنده اثنا عشر جمدارا ما منهم إلّا من يستعجله ، فقام يمشي وهو يقول : اللّهمّ ، أرحني بالموت حتى أستريح ممّا أنا فيه ! - ولم يتّسع له وقت لسماع كلام ابن البابا حتى دخل على السلطان . فلمّا انقضى موسم الحجّ وعاد السلطان من مكّة ونزل المدينة النبويّة ، هبّت في الليل ريح عاصفة أظلم منها الجوّ وأتلفت « 1 » جميع الخيم ، وكثر انزعاج الناس واختبطوا ، وصار كلّ أحد لا يهتدي إلى خيمته ويهجم على موضع غير موضعه لشدّة الظلمة وقوّة الرياح . واجتمع المماليك والأمراء حول دهليز السلطان وقد اشتدّ خوفه أن يغتال في تلك الليلة . واتّفق مع ذلك هجوم جماعة على أمير أحمد بن بكتمر تريد قتله - فاتّهم السلطان بأنّه ندبهم لذلك - فلم يتمكّنوا منه ، ورعب منهم وغشي عليه . ثمّ وقع الرحيل من المدينة ، وبكتمر على عادته مساير السلطان بجانبه ، حتى وصلا بئر عليّ . [ ف ] وجد أحمد بن بكتمر في نفسه ألما تزايد به إلى أن مات بوادي عنتر . ثمّ مات بعده أبوه بكتمر بثلاثة أيّام ، فاتّهم السلطان أنّه سمّهما . فحملا ودفنا بعيون القصب « 2 » [ 291 أ ] . وكان يوما مهولا ، خرجت فيه أمّ ولد بكتمر بسببه « 3 » وصاحت على السلطان بأعلى صوتها : يا ظالم ، أين تروح من اللّه ؟ ولدي وزوجي ! زوجي كان مملوكك ، ولدي ، إيش كان بينك وبينه ؟ - وكرّرت ذلك حتى سمعها الأمراء ، وهو معرض عنها . وذلك في يوم [ الجمعة عاشر المحرّم سنة 733 ] « 4 » . ثمّ نقلا حتى دفنا بتربة بكتمر من القرافة ، وعمل اجتماع بها مدّة سبع ليال يقرأ فيها القرآن ، واحتفلت زوجته فيها احتفالا زائدا وتصدّقت بمبلغ ثلاثين ألف درهم . فرأى الشيخ زادة ، شيخ خانكاه بكتمر في منامه آخر هذه الليالي السبع كأنّ بكتمر السّاقي على عادته في مكانه الذي كان يجلس فيه إذا جاء لزيارته ، وعلى يمينه ابنه أحمد ، وهو يقول : يا شيخ ، كنت في مكان موحش ، فسألت اللّه تعالى أن يخلّصني منه حتى أجيء وأصلّي معكم وتدعو لي . وكان بكتمر قد حظي عند [ 258 ب ] السلطان حظوة ما نالها أحد غيره ، وعظم شأنه ، وصار هو الدولة لا يكاد السلطان يفارقه ، إمّا أن يكون بكتمر عنده ، أو يكون هو في بيت بكتمر . وأكثر أكله في بيت بكتمر ممّا تطبخه له أمّ أحمد بن بكتمر في قدر فضّة ، وينام عندهم حتى ظنّ جماعة أن أحمد ابن السلطان ، ممّا يحبّه ويقبّله ويحمله . فشهر ذكر بكتمر بحيث كان لا يهدى إلى السلطان شيء إلّا ويهدى لبكتمر مثله ، وغالب ما يحمل إلى السلطان يكون لبكتمر فعظمت أمواله . وكان يجمع خصالا حميدة ، ولم يعارض السلطان في أمر من الأمور ، وإذا أراد منه أمرا تلطّف فيه حتى يقضيه له . وكان السلطان يرجع إلى رأيه ويميل حيث مال . وكان يلاطف الأمراء ويكثر من الإنعام عليهم وعلى من دونهم حتى ملك حاشية السلطان بإحسانه إليهم . وبلغ من السعادة مبلغا لم يحصل لأحد من أقرانه ، وحملت إليه أمّه وإخوته وكثير
هامش
( 1 ) في المخطوط : وألف . ( 2 ) عيون القصب بين العقبة والمويلح على مقربة من ساحل البحر الأحمر و 80 ميلا من المويلح ؛ النجوم 9 / 105 هامش 2 . ( 3 ) قراءة ظنية . ( 4 ) الإكمال من السلوك 2 / 364 ؛ والنجوم 9 / 105 .
المقفى الكبير — صفحة 271 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي