فقال : كيف لي بذلك !
فقال : ولدك ناصر الدين نصر بينه وبين الخليفة - يعني الظافر - مودّة عظيمة . فخاطبه على لسانه أن تكون سلطان مصر موضع عمّك فإنّه يحبّك ويكرهه . فإذا أجابك فاقتل عمّك « 1 » .
فوقع كلامه من عبّاس بموقع ، وجهّز ابنه إلى الخليفة ، وكان من قتل ابن السلار وولاية عبّاس الوزارة ما تقدّم في موضعه « 2 » .
فلمّا استقلّ عبّاس بوزارة الخليفة الظافر ، وكره اختلاط نصر بن عبّاس بالخليفة الظافر ، ثقل أسامة على أمراء مصر ، واستوحشوا منه لعلمهم أنّه هو الذي دبّر في قتل ابن السلار وتحدّثوا بقتله ، وخيّلوا للظافر منه كونه من أهل الشام ، وهواه مع بني العبّاس ، ومتى ترك وقع منه ما لا يتدارك [ 188 ب ] . وبلغه ذلك فخاف من الظافر وأخذ في الحيلة لنفسه وشرع يدبّر في فتنة أخرى . فأغرى عبّاس الوزير بابنه نصر ، وبالغ حتى قال له يوما :
كيف تصبر على ما يقول الناس في حقّ ولدك ، من أنّ الخليفة يفعل به ما يفعل بالنساء ؟
فغضب عبّاس من ذلك وطلب ابنه وعنّفه . فلم يصغ لقوله واستمرّ على معاشرة الخليفة إلى أن أنعم عليه بناحية قليوب . فقال له أسامة بحضرة أبيه : ما هي بمهرك غالية !
فامتعضّ عبّاس وشقّ عليه هذا القول ، وقال لأسامة : كيف الحيلة في الخلاص ممّا بلينا به ؟
فقال : هيّن ! هذا الخليفة في كلّ وقت يأتي إلى بيت ولدك خفية ، فمره إذا جاءه أن يقتله .
فما زال عبّاس بابنه نصر حتى قتل الخليفة كما
ذكر في ترجمته « 3 » .
فلمّا أقام عبّاس الفائز عيسى في الخلافة بعد قتل الظافر ، وقدم طلائع بن رزيك من الأشمونين لأخذ ثأر الظافر آل أمر عبّاس إلى أن فرّ من القاهرة ، هو وولده نصر ، وأسامة ، في عدّة من أصحابهم ، بعد ما نهب لأسامة عند خروجه من مصر أربعون غرارة « 4 » جماليّة مخاطة فيها من الذهب والفضّة والكسوات شيء كثير ، وأخذ من اصطبله ستّة وثلاثون حصانا وبغلة بسروجها ولجمها وعدّتها ، وخمسة وعشرون جملا ، وأخذ من إقطاعه بكوم إشفين مائتا رأس بقر لبساتينه وأوسيته « 5 » ، وأهراء غلّة .
[ هروبه من الإفرنج وخذلانه العبّاس ] :
فخرج عليهم الإفرنج ، ففرّ أسامة وتبعه أصحابه ، وتركوا عباسا وابنه حتى قتل عبّاس وأسر ابنه نصر في يوم الجمعة خامس شهر ربيع الآخر « 6 » . وسار أسامة إلى دمشق في سنة تسع وأربعين وخمسمائة « 7 » فأقام بها .
ثمّ رماه الزمان إلى حصن كيفا فأقام به حتّى ملك السلطان صلاح الدين يوسف دمشق ، فاستدعاه وهو شيخ قد جاوز الثمانين .
قال فيه العماد الكاتب : وأسامة « 8 » كاسمه في
هامش
( 1 ) ابن السلّار ليس عمّ عبّاس ، وإنما هو زوج أمّه . ولعلّ عبارة عمّ هنا من باب التلطّف .
( 2 ) أي ، في ترجمة عبّاس : المقفّى 4 / 42 ( 1433 ) .
( 3 ) ترجمة إسماعيل بن عبد المجيد ، الظافر العبيديّ تأتي تحت رقم 773 ص 121 من هذا الجزء .
( 4 ) الغرارة هي الكيس الكبير للحبوب أو السميذ . وجماليّة نسبة إلى الجمال ، ولعلّ العبارة تعني حمولات القافلة من الإبل .
( 5 ) هكذا في المخطوط ، ولعلّها تعني : المراعي المشتركة كما في قاموس دوزي ( وسية ) .
( 6 ) في الاتّعاظ 3 / 220 ، أسر نصر في ربيع الأوّل سنة 550 .
( 7 ) لعلّ الصواب : سنة 550 .
( 8 ) أسامة من أسماء الأسد الكثيرة .