كراي بمن معه على جرائد الخيل ، وساروا « 1 » من حمص إلى حلب في يوم ونصف ، ودخلوها ليلا ، وأتوا باب القلعة ، وأشاروا إلى نائب القلعة ، وكان في انتظارهم . فأخرج لهم رجال القلعة بالسلاح وآلات الحصار ، وزحفوا جميعا على دار النيابة .
وتلاحق بهم أمراء حلب . فسلّم [ أسندمر ] نفسه من غير قتال ، وقيّد وسجن بالقلعة وأحيط بسائر موجوده .
ثمّ حمل إلى قلعة الجبل مع بينجار وأيبك [ 177 أ ] الروميّ ، فسجن بها . وبعث إليه السلطان مع طغاي الدوادار يسلّم عليه ، ويأمره بعرض حوائجه . فقبّل الأرض ودعا للسلطان وسأله أن يقبّل الأرض عنه ، ويسأل السلطان عن سبب القبض عليه ، « فإنّي لا أعلم لي ذنبا يوجب هذا » .
فقال السلطان : عد إليه ، وعرّفه أنّي طيّب الخاطر عليه ، وله عليّ خدمة . ولكن « أنت قلت للسلطان يوم خرجت من عنده وودّعته للسفر إلى الشام ، وقد قال لك : أوصني ، وعرّفني ما أصنع ! - فكان جوابك : أوصيك يا خوند : لا تترك في دولتك كبشا كبيرا واخش « 2 » مماليكك ! - وهو يقول لك :
ما علمت اليوم بقي عندي كبش كبير غيرك !
فلمّا بلّغه طغاي ذلك سكت . فلم يزل في الاعتقال حتّى قتل في [ . . . ] ذي القعدة سنة إحدى عشرة وسبعمائة بالكرك .
وكان شجاعا بطلا سائسا داهية ، جبّارا ظلوما مهابا ، من أحسن أشكال الرجال وأتمّها .
وكان كرجيّ الجنس له مهابة عظيمة في نفوس أهل الشام لشدّة جسارته ، وجرأته على سفك الدماء بأنواع المثلة ، من السلخ والشّنق والتوسيط
وكحل الأعين وقطع الأطراف ، ومبالغة في هلاك الأجساد ، وتعدّيه حدّ الإسراف .
وله مع ذلك سمعة ببلاد العدوّ وسطوة بين الطائفة النصيريّة . وكان عسوفا في أحكامه ، كثير المال والحاشية ، بلغت عدّة مماليكه خمسمائة مملوك .
وكان كثير المكارم في عطائه ، ما من أحد من حاشيته إلّا وله سعادة ضخمة .
وكان أكولا نهما قويّ المعدة : إذا أصبح ابتدأ بالفطور على زنجبيل مربّى « 3 » فيأكل منه رطلا بالميزان ، وقدّم له منقل « 4 » نار عمل عليه مائة بيضة نيمرشت « 5 » يشربها ، ثمّ يركب . فإذا نزل من الركوب مدّ له السّماط وقدّمت له خافقيّة فيها رميس « 6 » فيأكله عن آخره . ويرفع السماط ، ويوضع الطاري « 7 » ، وتقدّم له خافقيّة فيها عشرة ديوك خصى سمان جدّا ، فيأكل منها ستّة . هذا غير الحلاوات والفواكه والنقل ، وغير عشائه آخر النهار ، وسوى ما يأكله في الليل ، فإنّه كان يعمل له بعد [ ال ] عشاء الأخيرة كلّ ليلة خروفا سمينا مطجّنا فيأكله جميعه ولا يفضل منه شيء . ثم يعمل بيده من الحلاوة السكب « 8 » صحنا كبيرا ويأكله كلّه .
وكان مرتّبه وهو بمصر في كلّ يوم سبعمائة رطل لحم من ديوان السلطان تحمل إليه ، ويشتري عليها خمسمائة درهم . وكان له سماط عظيم جدّا .
هامش
( 1 ) في المخطوط : وساقوا .
( 2 ) قراءة ظنّيّة ، وفي المخطوط : واشي .
( 3 ) مربّى ، أي معقود بالسكّر .
( 4 ) منقل : جفنة من حديد تعمّر بالجمر للشيّ .
( 5 ) بيضة نيمرشت أو نيمبرشت : مسموطة ومنعقدة ( دوزي ) .
( 6 ) رميس : خروف مشويّ . والخافقيّة جفنة واسعة .
( 7 ) لم نفهم الطاري ، ولعلّه اللحم الطريّ ( دوزي ) .
( 8 ) ويقال أيضا : السكب العثمانيّة ( دوزي ) .