تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
بيض ، وأن يمنع من النّوح عليه والبكاء ، وأن يباشر بخدّه الأرض - مع ما أوصاه به من حسن السيرة والعدل في الرعيّة - . فلمّا كان يوم الجمعة آخر يوم من شوّال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة توفّي بالمنصوريّة ، فغسّله جعفر بن عليّ الحاجب ، وصلّى عليه ابنه أبو تميم معدّ مع من حضر من الخاصّة ، ودفن في قصره ليلا . ويقال إنّه أراد عبور الحمّام في مرضه فنهاه طبيبه إسحاق بن سليمان الإسرائيلي « 1 » عن ذلك ، فلم ينته . ودخل الحمّام ففنيت الحرارة الغريزيّة منه ولزمه السهر . فأخذ طبيبه يعالج المرض دون السهر . فاشتدّ عليه ذلك فقال لخاصّته : أما في القيروان طبيب سوى إسحاق ؟ فأتوه بشاب يقال له أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد بن الجزّار « 2 » فجمع له مخدّرات عدّة وكلّفه بشمّها حتى نام . ثمّ خرج وهو مسرور بما كان منه . فجاء إسحاق ليدخل على المنصور فقيل له : هو نائم . فقال : إن كان صنع له شيء منوّم فقد مات ! .

[ وفاة المنصور ] :

فدخلوا فإذا به [ قد ] مات . فأرادوا قتل ابن الجزّار فمنعهم إسحاق من قتله وقال : لا ذنب له . إنّما داواه بما قد ذكره الأطبّاء . غير أنّه جهل أصل المرض ولم تعرّفوه أنتم به . وذلك أنّي عالجته أريد تقوية الحارّ الغريزيّ ، وبه يكون النوم . فلمّا عالجه هو بما يطفئ الحارّ الغريزيّ ، علمت أنّه قد مات . وتوفّي وهو ابن أربعين سنة كاملة . وكانت خلافته سبع سنين وثمانية عشر يوما . وكان حسن السيرة في الناس . وكان فصيحا خطيبا ، يخترع الخطبة لوقته . وكان حادّ الذهن حاضر الجواب بعيد الغور جيّد الحدس شجاعا عاقلا . وكان كثير القتال لأهل الفساد ، وبذلك استقام الأمر لولده من بعده . وكان يشبّه بأبي جعفر المنصور ثاني خلائف بني العبّاس : وذلك أنّ كلّ واحد منهما اختلّت الدولة عليه ، وكاد أن يسلّ من الخلافة فهبّت له رياح النصر حتّى تراجع أمره ولم يبق له منازع . وكان للمنصور من الأولاد : أبو تميم معدّ ، وولي الخلافة من بعده . وحيدرة ، وهاشم ، وطاهر ، وأبو عبد اللّه الحسين « 3 » . وخمس بنات هنّ : هبة ، وأسماء ، وأروى ، وأمّ سلمة ومنصورة « 4 » .
هامش
( 1 ) في طبقات ابن جلجل ، 87 : مصريّ سكن القيروان ، تتلمذ لإسحاق بن عمران وخدم المهديّ عبيد اللّه . وقال الأستاذ إبراهيم بن مراد في ترجمته لابن الجزّار ( الحوليّات 22 / 1983 ) ، إنّ إسحاق بن سليمان توفّي بعد 341 وأنّه كان استقدم من زيادة اللّه الثالث سنة 293 . وأضاف أن ابن الجزّار تتلمذ عليه . ( 2 ) في ترجمة ابن جلجل له ، 88 أنّه عاش نيفا وثمانين سنة وأنّه كان صديقا قديما لأبي طالب موسى ، ابن المهديّ . فإذا كان تربا لابن المهديّ - والمهدي ولد سنة 260 - فمن المقبول أن يكون مولده سنة 285 كما كتب الأستاذ إبراهيم بن مراد في فصله عن ابن الجزار بالحوليّات 22 / 1983 . وبهذا يكون عمره عند وفاة المنصور ، نحو 55 سنة ، وليس هذا العمر من الشباب في شيء . ( 3 ) أولاد المنصور : في الاتّعاظ ، 133 ، أنّ حيدرة مات بمصر سنة 372 . ومات أبو عبد اللّه الحسين بالمغرب ، ولم يذكر له تاريخا . ومات طاهر بالمغرب سنة 359 . وهاشم هو الذي ولد في أيّام فتنة أبي يزيد ( انظر أعلاه ص 83 ) . ( 4 ) لم يذكر المقريزي في الاتّعاظ ، 133 تواريخ وفياتهنّ ، واكتفى بأن قال : هبة وأسماء وأروى متن بمصر في مدّة المعزّ ، وأم سلمة في مدّة العزيز . أمّا منصورة - وقد قرأها المرحوم الشيّال : سمّور - فماتت بالمغرب .
المقفى الكبير — صفحة 103 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي