تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
وكان له ثلاث أمّهات أولاد . وكان نقش خاتمه : بنصر الباطن الظاهر ينتصر الإمام أبو الطاهر . وكان قضاته : أحمد بن الوليد « 1 » ، ثمّ محمّد بن أبي المنظور . ثمّ عبد اللّه ابن هاشم ، ثمّ عليّ بن أبي شعيب ، ثمّ أبو محمّد زرارة بن أحمد ، ثمّ أبو حنيفة النعمان بن محمّد التّميمي . وكان حاجبه جعفر بن عليّ . ولمّا قدم المعزّ لدين اللّه أبو تميم معدّ إلى القاهرة ، كان معه توابيت آبائه : المنصور إسماعيل هذا ، والقائم أبي القاسم محمّد ، والمهدي عبيد اللّه ، فدفنهم بتربة القصر من القاهرة . فلذلك ذكرته « 2 » في كتابي هذا . وحكى أبو جعفر أحمد بن محمّد المروروذي قال : « كنت مع المنصور في اليوم الذي أظهره اللّه فيه على أبي يزيد وهزمه . فقدّمت إليه وسلّمت عليه وقبّلت يده ودعوت له بالنصر والظفر ، فأمرني أن أركب ، وقد جمع عليه سلاحه وآلة حربه ، وتقلّد سيف جدّه ذا الفقار ، وأخذ بيده رمحين . فحدّثته ساعة ، فجال به الفرس ، فردّ أحد الرمحين إلى يده اليسرى ، فسقط من يده إلى الأرض ، فتفاءلت له بالظفر ، ونزلت مسرعا ، فرفعت الرمح من الأرض ، ومسحته بكمّي ورفعته إليه وقبّلت يده وقلت [ الطويل ] :
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى * كما قرّ عينا بالإياب مسافر [ 200 ب ]
فأخذ الرمح من يدي وقال : هلّا قلت ما هو خير من هذا وأصدق ؟ قلت : وما هو ؟ قال : قول اللّه عزّ وجلّ :
* وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ
[ الأعراف : 117 - 119 ] . فقلت : يا مولانا ، أنت ابن رسول اللّه وإمام الأمّة ، عليكم نزل القرآن ، ومن بيتكم درجت الحكمة ، فقلت أنت بما عندك من نور النبوّة ، وقال عبدك بما بلغه من علمه ومعرفته من كلام العرب وأهل الشعر . وكان الأمر كما قال : فما هو إلّا أن أشرف على عسكر أبي يزيد [ حتّى ] ضرب اللّه في وجوههم ، فقتلوا وأحرق معسكرهم وخيامهم بالنار ، وولّى أبو يزيد في بقيّة أصحابه خائبين إلى داخل المغرب . ولم ير كصبره يوم القيروان ، وهو يقاتل أبا يزيد . وقد ذكر حسن موقفه شاعره محمّد بن الحرث فقال :
ولم أر كالمنصور باللّه ، ناصرا * لدين ، وأحمى منه ملكا وأمنعا « 3 » ألم تر يوم القيروان وقوفه * وقد كادت الأكباد أن تتقطّعا ؟ « 4 » وأبرز عن وجه من الصبر أبيض * يقاتل وجها للكريهة أسفعا إذا استقبل الأبصار ، وهي طوامح * ثناها ، ولم تستكمل اللّحظ ، خشّعا « 5 »
هامش
( 1 ) أحمد بن محمّد بن أبي الوليد في المعالم ، 3 / 75 . كان مناهضا للعبيديّين ، محرّضا لفقهاء القيروان على الانضمام إلى أبي يزيد . ففي استقضاء المنصور له دليل على تسامح الخليفة الفاطميّ . ( 2 ) الضمير يعود على المنصور . فالمقريزي لم يقتصر على ذكر من دخل مصر حيّا . ( 3 ) في الروايتين الماضيتين : ولا أحمى لملك . ( 4 ) وفيهما : أن تتصدّعا . ( 5 ) هذه الترجمة أكثر إفادة لدراسة التاريخ من ترجمة -