تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
حسن حظّنا - وإن كان ذلك له محلّ تهمة وريبة من السخاوي مثلا - كان ينقل كثيرا ، إمّا من كتبه هو كالخطط والاتّعاظ والسلوك ، وإمّا من كلام غيره كتاريخ بغداد وتاريخ ابن عساكر وطبقات السبكيّ ، وهي كتب مطبوعة . وهكذا فكلّما أضفنا زيادة أو صوّبنا ، ذكرنا المصدر المساعد على ذلك ، فإذا عجزنا عن التقويم ، نبّهنا القارئ إلى ذلك . وفي خصوص التراجم المكرّرة ، اكتفينا منها بالأكثر وضوحا والأغزر مادّة ، وألغينا مكرّرات الهمزة في مخطوط ليدن 1 فأدمجناها في مخطوط السليميّة . حان الآن أن نعرّف بالمقريزيّ ، وهو الغنيّ عن التعريف نظرا لشهرة كتاب الخطط ، وكتاب اتّعاظ الحنفاء وكتاب السلوك . فهو تقيّ الدين أحمد بن عليّ بن عبد القادر المقريزيّ . أصل أسرته من بعلبك بلبنان الحاليّ . انتقل أبوه إلى القاهرة فتولّى بعض الخطط الديوانية وولد له بها أحمدنا سنة 766 فنشّأه تنشئة أبناء الموسرين فحفظ القرآن وسمع الحديث ولا سيّما على جدّه للأم ، وهو المحدّث شمس الدين ابن الصائغ الحنفيّ . أمّا أبوه فكان حنبليا . وعند وفاة والده ، تحوّل المقريزي إلى المذهب الشافعيّ . فلعلّه كان يطمح إلى بعض المناصب الديوانية في الدولة المملوكيّة التي تصانع الشوافع ، أصحاب المذهب السائد في البلاد . وبالفعل تعلّق المقريزيّ بخدمة الظاهر برقوق ثم ابنه الناصر فدخل معه دمشق وشغل بها عدّة مناصب من نظر دواوين وتدريس ، إلّا أنّه رفض منصب القضاء . وحجّ مرارا وجاور بمكّة مدّة وألّف هناك كتبا . وتولّى بالقاهرة وظيفة الحسبة ونظر الجامع الحاكميّ ، وخطابة الجامع العتيق بالفسطاط . ولعلّ هذه المناصب المختلفة أثّرت في تكوينه وميوله فنراه في المقفّى ، يكثر من تراجم المحدّثين والحفّاظ والفقهاء ، وخصوصا الشافعيّين منهم ، ويهتمّ فيه وفي غيره من كتبه بأحوال الحياة العامّة من سعر البضائع ، وأحكام السوق ، والأكيال والموازين . على أنّه لا يهمل الأدب والشعر فهو نفسه أديب بشهادة معاصره ابن حجر فيه : « وله النظم الفائق والنثر الرائق » ، لذلك لا يترك فرصة تمرّ دون أن « يتحفنا » بأبيات قاض أو زاهد أو محدّث ، وله ولع خاصّ بالكتابة الزخرفيّة التي اشتهر بها القاضي الفاضل ثمّ العماد صاحب الخريدة وابن فضل اللّه صاحب المسالك ، فلا يتردّد في إيراد الفقرات ، بل الصفحات ، من هذه الصنعة المتعمّلة المتكلّفة ، وهي لعمري للمحقّق عذاب ، لأنّه لا يتمكّن من تحقيقها ، والمصادر الإضافيّة لا تنقلها لأنّ أصحابها - ربّما - لا يشاطرون المقريزي ولعه هذا . وعاد المقريزي إلى القاهرة فاعتزل الوظائف وانقطع ببيته فاشتغل بالتأليف التاريخيّ خاصة ، فبلغت مصنّفاته نحو المائتين . غير أنّها متفاوتة الأحجام ، فإلى جانب الكتاب الضخم ، مثل « السلوك في معرفة دول الملوك » وهو في تاريخ الأيّوبيّين والمماليك « 1 » نجد الرسالة القصيرة مثل « النزاع والتخاصم بين بني أميّة وبني هاشم » وبإزاء اتّعاظ الحنفاء « 2 » وهو في تاريخ الفاطميّين بمصر ، نجد « إغاثة الأمّة بكشف الغمّة » في وصف المجاعة والأوباء بمصر في عهود الاضطراب السياسيّ .
هامش
( 1 ) نشر بالقاهرة في 4 أجزاء و 12 مجلّدا . ( 2 ) نشر بالقاهرة في ثلاثة أجزاء .