وقال له رجل « 1 » : أنت إبراهيم بن أدهم ؟
قال : نعم .
قال : من أين معيشتك ؟
قال [ الطويل ] :
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع « 2 »
فقال : اخرج عنّي !
فخرج وهو يقول [ مجزوء الخفيف ] :
اتخذ اللّه صاحبا * ودع الناس جانبا « 3 »
وقيل له : لم حجبت القلوب عن اللّه ؟
قال : لأنها أحبّت ما أبغض اللّه : أحبّت الدنيا ومالت إلى دار الغرور ، واللهو واللعب [ 17 ب ] وتركت العمل لدار فيها حياة الأبد ، [ في نعيم ] لا يزول ولا ينفد ، خالدا مخلّدا ، في ملك سرمد ، لا نفاد له ولا انقطاع .
وسئل : بم يتمّ الورع ؟
قال : بتسوية كلّ الخلق في قلبك ، والاشتغال عن عيوبهم بدينك ، وعليك باللفظ الجميل ، من قلب ذليل ، لربّ جليل . فكّر في ذنبك ، وتب إلى ربّك ، ينبت الورع في قلبك ، واقطع الطمع إلّا من ربّك .
وقال : ليس من أعلام الحبّ أن تحبّ ما يبغضه حبيبك . ذمّ مولانا الدنيا فمدحناها ، وأبغضها فأحببناها ، وزهّد فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها .
ووعدكم خراب الدنيا فحصّنتموها ، ونهاكم عن طلبها فطلبتموها ، وأنذركم الكنوز فكثّرتموها .
دعتكم إلى الغرّارة دواعيها ، فأجبتم مسرعين مناديها . خدعتكم بغرورها ، ومنّتكم فأقررتم خاضعين لأمانيها ، تمرحون في زهراتها ، وتتنعّمون في لذّاتها ، وتتقلّبون في شهواتها ، وتتلوّثون بتبعاتها ، وتنبشون مخالب الحرص عن خرابها ، وتحفرون بمعاول الطمع في شهواتها ، وتبتنون بالفضلة في أماكنها وت [ ت ] حصّنون بالجهل في مساكنها .
وقال : قد رضينا من أعمالنا بالمعاني ، ومن طلب التوبة بالتواني ، ومن العيش الباقي بالعيش الفاني .
وقال : لا تجعل بينك وبين اللّه منعما عليك ، وإذا سألت فاسأل اللّه أن ينعم عليك ولا تسأل المخلوقين ، وعدّ النعم منهم مغرما .
وقال : مررت في بعض جبال الشام ، فإذا الحجر مكتوب عليه نقش بالعربية [ المقتضب ] :
كلّ حيّ وإن بقي * فمن العيش يشتقي
فاعمل اليوم واجتهد * واحذر الموت يا شقيّ
فبينما أنا أقرأ وأبكي إذ أتى رجل أشعث أغبر ، عليه مدرعة من شعر . فسلّم عليّ فرددت عليه السلام ، فقال : ما يبكيك ؟
فأخبرته . فقال : وأنت لا تبكي ولا تتّعظ حتى توعظ ؟ فسر معي حتّى أقرئك غيره .
فمضيت معه غير بعيد ، فإذا بصخرة عظيمة شبه المحراب ، فقال : اقرأ وابك ولا تقصّر !
ثم قام يصلّي ، فإذا في أعلاه نقش بيّن عربيّ [ الكامل ] :
لا تبغين جاها وجاهك ساقط * عند المليك وكن لجاهك مصلحا
هامش
( 1 ) في الحلية 8 / 10 : بعض الولاة .
( 2 ) ذكره الجاحظ في البيان والتبيين 1 / 260 .
( 3 ) في العقد 3 / 213 . ارض باللّه صاحبا . . .