تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
طريق اللاهين الآمنين المطمئنّين الذين أتبعوا أنفسهم هواها فوقفهم على طريق هلكتهم . لا جرم سوف يعلمون ، وسوف يتأسّفون ، وسوف يندمون ،
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
[ الشعراء : 227 ] . وسمعته يقول : خالفتم اللّه فيما أنذر وحذّر ، وعصيتموه فيما نهى وأمر ، وكذبتموه فيما وعد وبشّر . وإنما تحصدون ما تزرعون ، وتكافئون بما تفعلون ، وتجزون بما تعملون . فانتبهوا من وسن رقدتكم لعلّكم تفلحون . وسمعته يقول : ما لنا نشكو فقرنا إلى مثلنا ، ولا نطلب كشفه من ربّنا ؟ ثكلت عبدا أمّه أحبّ اللّه ونسي ما في خزائن مولاه . وسمعته يقول : لا يقلّ مع الحقّ فريد ولا يقوى مع الباطل عديد . وقال : إذا كنت بالليل نائما ، وبالنهار هائما ، وبالمعاصي دائما ، فمتى ترضي من لم يزل لأمرك قائما ؟ وعن بقيّة بن الوليد : كنت مع إبراهيم بن أدهم في بعض قرى الشام ، ومعه رفيق له . فجعلنا نمشي حتى بلغنا إلى موضع حشيش وماء . فقال لرفيقه : أمعك شيء ؟ فقال : نعم ، في المخلاة كسيرات . فجلس ينثرها فجعل يأكل ، فقال : يا بقيّة ، ما أغفل الناس عمّا أنا فيه من النعيم ! ما لي أحد يموت ، ولا أحد أهتمّ به . فتغيّر وجهي . فقال : ألك عيال ؟ قلت : نعم . فقال : ولعلّ روعة صاحب عيال أفضل ممّا أنا فيه . ثم قام . فقلت : يا أبا إسحاق ، عظني بشيء ! فقال : يا بقيّة ، كن ذنبا ولا تكن رأسا ، فإنّ الذنب ينجو ويهلك الرأس . ودخلت عليه ، وهو يبكي في مسجد بيروت ، ووجهه إلى الحائط ، وهو يضرب بيديه جميعا على رأسه . فقلت : ما يبكيك ؟ فقال : ذكرت يوما تتقلّب فيه القلوب والأبصار . وعن إبراهيم بن بشار : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول ، ويتمثّل بهذا البيت إذا خلا في جوف الليل ، بصوت حزين موجع القلب [ مجزوء الخفيف ] :
وفتيّ أخو ضني * وكبير أخو علل فمتى ينقضي الرّدى * ومتى ويحك العمل ؟
ثمّ قال : يا نفس ، إيّاك والغرّة باللّه تعالى ، وقد قال الصادق عزّ وجل :
فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
[ لقمان : 33 ] . وقال لرجل : ما آن لك أن تتوب ؟ فقال : حتّى يشاء اللّه . فقال له : فأين حزن الممنوع ؟ وقال : إنّك إن أدمت النظر في مرآة التوبة بان لك قبيح شين المعصية . وكتب إلى سفيان الثوري : من عرف ما يبطل هان عليه ما يبذل . ومن أطلق بصره طال أسفه ، ومن طال أمله ساء عمله ، ومن أطلق لسانه قتل نفسه . وقال : خلّوا لهم دنياهم يخلّوا بينكم وبين أخراكم ، وخلّوا لهم شهواتهم يحبّوكم .