أمحمّد المأمون ، يا أولى الورى * بسعادة وأحقّهم بثناء
أحسنت ثمّ مدحت فاستحسنت وال * إحسان فرض [ . . . ] العقلاء
للّه في هذا الأنام لطائف * تأتي مع الإصباح والإمساء
يا ليت شعري أيّ برّ أسلفوا * فجزوا عليه فكنت خير جزاء
وإذا أراد اللّه رحمة خلقه * ألقى أمورهم إلى الرّحماء
وهي طويلة .
وذكر رشيد بن الزبير في « جنان الجنان » ، قال :
كان الحافظ الخليفة تقدّم أمره إلى الشعراء أن يختصروا في الإنشاد في الأعياد . فكتب إليه أحمد بن المفرّج يقول [ البسيط ] :
أمرتنا أن نصوغ المدح مختصرا * ألا أمرت ندى كفّيك يختصر ؟
واللّه لا بدّ أن تجري سوابقنا * حتى يبين لها في مدحك الأثر « 1 »
فأذن لهم أن يعودوا إلى ما كانوا عليه .
ولأحمد هذا خطبة عاطل في المأمون وهي :
الحمد للّه الواحد لا كالآحاد ، والأوّل لا كحصر الأعداد ، أهل الحمد والكرم ، وعالم أسرار الأمم . سلك علمه صدور العلماء ، وملك حكمه أملاك السماء ، وأمّ الأمور وعلم حلّها ، وأعلم الأمم حرامها وحلّها ، وعلّم آدم الأسماء كلّها ، لا حصر لأمده ولا حلّ لأمره ولا ردّ ، وهو اللّه لا إله إلّا هو له الحمد . وسع حلمه ، وأحاط علمه ، وعمّ طوله ، وسما اسمه . أرسل محمّدا ، ومصادح الإلحاد مصرّحة ، ومسارح العدل
مصوّحة « 2 » ، والأهواء ملوّحة ، والسّوءاء مطوّحة ، وأوسعه علما ، [ و ] أروح « 3 » للأمّة معالم السلامة ، وآلاها « 4 » مسالك الوصول لدار الرحمة والكرامة ، وحماه ممّا وصمه [ به ] أولو الإصرار ، وهداه لأسعد ورد وإصدار ، ودعاه لأصلح الأعمال ، وأعطاه مواسم الإحرام والإحلال . فلمّا دارك الأمم ورحمها ، ملّكه مكّة وحرمها ، حرما وطّد سمكه الودود الأوّاه ، وأوّل أوّلا آدم أسس الإسلام وسمّاه « 5 » ، وأهّل ولده لما أمره الإله . ولمّا آلم أملاك السماء ما آلمه ، رحمه اللّه وسلّمه . وصار للأمم موسما واسما ، ومسلكا معلوما ورسما . ودعا اللّه الأمم لعمارة حرمه وسلوك مسعاه ، ورسم لهم الدّور حوله عددا والاه ، وإكمال العدد والدعاء والعمر للّه ، حرم سعده عامّ كلّ عام ، ومحلّه مؤكّد السلم لأهل الإسلام ، وموسم عصمه لكلّ ساع وآمّ ، وموعد الأمم لحطّ أحمالها ، ومحلّ لأعمال الكرم وإرسالها ، ومعرس الآمال ، ومرصد الإعداد للمآل ، ومورد الهمم السارحة ، ومعهد الأعمال الصالحة ، وإرسال الدموع ، والدعاء المسموع ، ومحو رسوم اللهو وطرح اللمم ، كطرح الأسمال وحسّ اللمم « 6 » ، وردع أهواء آدى الكواهل رسمها وآلم الأحلام مسّها ، حرم أمّه كلّ عاص لحطّ إصره ، ومعلم أعدّه كلّ ساع لصلاح أمره ، ومرام وصل واصله لمراده [ 144 أ ] ، ومصام « 7 » أحمد المصعد له ساعة إصعاده . وأسأل اللّه الوصول له ،
هامش
( 1 ) أخبار مصر لابن ميسّر 85 .
( 2 ) مصوّحة : يابسة قاحلة .
( 3 ) أروح كأراح : بيّن فأظهر ، والمادّة في اللسان والتاج غزيرة .
( 4 ) آلاها المسالك : هداها إليها ، رغم بعد المادّة هنا عن الآلاء :
النعم .
( 5 ) لم نفهم هذه الجملة .
( 6 ) حسّ اللمم نحلاقها . أمّا اللمم الأولى فلم نتبيّن معناها .
( 7 ) المصام : الموقف والمرتقى ، ويعني به عرفات ، وقد أكثر من التلميح إلى منسك الحجّ في هذه الخطبة العويصة .