تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
الحرّار ، التجيبي ، الأندلسيّ ، قيل له الحرّار لأنّه كان ينسج الحرير السقلاطون « 1 » . ذكره العارف محيي الدين أبو عبد اللّه محمد بن علي بن العربي الحاتميّ ، فقال : أحمد ! وما أدراك ما أحمد ! جمع الفضائل ، واجتنب الرذائل ، عرف [ 144 ب ] الحقّ فلزمه ، وكشف له عن السرّ فكتمه ، فهو ممّن ينادى من وراء حجاب ، قويّ المشاهدة ، كثير المساعدة ، وطيء الأكناف ، حسن المعاشرة ، سمح الخليقة ، موافق فيما يرضي اللّه ، نزيه الجانب ، مخالف فيما لا يرضي اللّه . لزم الاسم فسما ، وعمّ ذكره كلّ أرض وسماء ، تراه كأنّه ذاهل ، سريع الحركة كأنّه مطلوب بثأر ، يخضع تحت سلطان وارد الأسرار ، كثير المكاشفة . كنّا إذا أخذنا في مسألة غيّب عنّا ثمّ يرجع فيخبرنا بوجه من وجوه ما نحن فيه « 2 » . لزم خدمة أخيه لم يخدم غيره ، وكلّ ما هو فيه من بركة أخيه . لقي شيخنا أبا العباس جعفر الغريبيّ ، وأبا عبد اللّه بن جنيد ، وجماعة من أصحابنا . أراد صحبتنا إلى مكّة لولا مرض أخيه . حلّت بمصر المسغبة والوباء الذي هلك فيه أهلها . فمشى يوما فرأى الأطفال الرّضّع يموتون جوعا ، فقال : يا ربّ ، ما هذا ؟ - فغيّب . فنودي : يا عبدي ، هل ضيّعتك قطّ ؟ قال : لا . قال : فلا تعترض ! هؤلاء الأطفال الذين رأيتهم أولاد الزنا ، هؤلاء هم قوم عطّلوا حدودي ، فأقمت عليهم حدودي . هذه حدودي في كلّ من عطّل حدودي ، فلا يكن في نفسك من ذلك ! - ثم سرّي عنه . فبقي راضيا بتلك الحالة للخلق . وعنده من هذه المخاطبات كثير . وأمّا الإيثار وتوسيعاتهما على الخلق ، وتضييقهما على أنفسهما ، فلا أجد فوقهما في ذلك . جمع اللّه بيني وبينهما في عافية ، ولا فرق بيني وبينهما بعد ذلك . وقد ذكره أيضا صفيّ الدين أبو عبد اللّه الحسين بن علي بن أبي المنصور « 3 » فقال : منشؤه بإشبيلية . وكان ينسج الحرير السقلاطون ، فسمّي الحرّار . وصحب بها رجالا ، منهم أبو عبد اللّه ابن العاص . كان فقيها محدّثا ، فحدّثه وتلقّن منه من العلوم الشرعيّة والأحاديث النبويّة ما أغناه عن الاشتغال بالعلم على العلماء . وكان كثير الاجتهاد في بلده ، إلى أن سمع بأخبار الشيخ أبي أحمد جعفر [ الأندلسيّ ] أخصّ أصحاب الشيخ أبي مدين « 4 » ، فهاجر له من إشبيلية - وكان في شرق الأندلس . وخرج جماعة من المريدين معه . فلمّا وصلوا بلد الشيخ قالت رفقته : ترون أن نزور ابن المرأة ؟ [ وكان ابن المرأة رجلا ادّعى النبوّة ] « 5 » . فقال لهم أبو العبّاس : أنا ما هجرت إلّا للشيخ أبي أحمد ! فوافقه الجماعة ودخلوا على أبي أحمد . قال أبو العبّاس : فرأينا خلقا عظيما حوله ونقباء ، كلّ نقيب تحت يده من المريدين جمع كبير . فأحضرنا بعض الخدّام بين يدي الشيخ ، وأجلسنا صفّا فنظر إلينا ثمّ قال : إذا جاء الصغير للمعلّم ، ولوحه ممحوّ ، كتب له المعلّم . وإذا جاء ولوحه مملوء ، [ ف ] أين يكتب له المعلّم ؟ فالذي جاء به يرجع به . - ثمّ نظر نظرة أخرى وقال : من شرب من مياه مختلفة تغيّر
هامش
( 1 ) السقلاطون : قماش من حرير مطرّز بالذهب ( دوزي ) . ( 2 ) توفّي ابن عربي سنة 638 . ( 3 ) ابن أبي منصور : انظر ص 359 أعلاه ، ه 1 وص 416 الآتية ه 1 . ( 4 ) أبو مدين التلمساني ( ت 594 ) . انظر : عنوان الدراية 5 - ودائرة المعارف الإسلاميّة . ( 5 ) الزيادة من الكواكب السيّارة 151 .