تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور ابن العزيز نزار قاضي القضاة أبا الحسن مالك بن سعيد بن مالك الفارقيّ وشغر منصب القضاء مدّة . وكان الحاكم قد نوّه بذكر أبي الفضل جعفر الضرير ، لما أعجبه من معرفته بالنحو واللغة وعلوم الشريعة ، وقرّبه وخلع عليه وأقطعه ، ولقّبه ب « عالم العلماء » . فسأله يوما عن الناس واحدا واحدا ، فذكر أبا العبّاس أحمد بن أبي العوّام وغيره . فوقع الاختيار على أبي العبّاس ، فقيل للحاكم : ما هو على مذهب أهل البيت ، غير أنّه ثقة مأمون ، عارف بالقضاء ، عارف بالناس ، وما في مصر من يصلح لهذا الأمر غيره - فما قام أبو الفضل الضرير من مجلس الحاكم حتى أحكم الأمر . فتقدّم أمر الحاكم بكتابة سجلّ أبي العبّاس ابن أبي العوّام . وجمع في يوم الأحد حادي عشرين شعبان سنة خمس وأربعمائة الأولياء ، والعرائف ، والشهود ، والأمناء ، والفقهاء بالقصر ، واستدعى أبا العبّاس ابن أبي العوّام فخلع عليه غلالة ، وثوبا مسمّطا ، وقميصا ديبقيّا معلّما مذهبا ، وعمامة شرب كبيرة مذهبة [ 129 أ ] ، وطيلسانا محشيّا « 1 » مذهبا . وأعطي سجلّ القضاء ، فوقف على رجليه ، وقرأ سجلّه أبو جعفر العبّاديّ . وحمل على بغلة بسرج ولجام مصفّح مذهّب ، وقيد بين يديه بغلة أخرى بسرجها ولجامها . وسار ومعه الشهود والأمناء إلى الجامع العتيق بمصر ، فقرئ سجلّه على المنبر ، وفيه ، بعد تقريظه والإشادة به ومدحه : فقلّدك أمير المؤمنين الصلاة والقضاء والخطابة بحضرته ، والحكم فيما وراء حجابه بالقاهرة المعزّيّة ، ومصر المحروسة ، وأعمالها ، وكورة الإسكندريّة ، والحرمين الشريفين ، وبرقة ، والمغرب ، وصقلّية ، مع الإشراف على دور الضرب في هذه الأعمال ، والنظر في أحباس الجوامع والمساجد ، وأرزاق المرتزقة ، ووجوه البرّ . ولم يجعل إليه قضاء فلسطين من أجل أنّه بيد الشريف أبي طالب ابن بنت الزيديّ [ الحسيني ] « 2 » . فاستخلف أبو العبّاس على الحكم ، ونقل ديوان الحكم من دار مالك بن سعيد ، وجميع حجج الناس ، وما يتعلّق بالأحكام ، إلى بيت المال الذي بجامع عمرو ، وهو أوّل من فعل ذلك ، وإنّما كانت دواوين الحكّام في دورهم ، فجعلها في الجامع ، إلّا ما يتعلّق به وبنظره فإنّه أقرّه في داره « 3 » . ورسم أن يحضر مجلسه طائفة من الفقهاء في ترتيب نوبهم وجلوسهم في دار العلم التي بالقاهرة ليردّوه إذا حكم إلى مذهب أهل البيت . ورتّب جلوسه بالجامع العتيق في يوم الاثنين ويوم الخميس ، وفي القاهرة بالجامع الأزهر في يوم الثلاثاء ، وفي القصر في يوم السبت ليطالع الحاكم بما يجري من الأحكام والشهود والأمناء ، وغير ذلك من تعلّقات الحكم ، ويوم الجمعة يركب مع الحاكم ، و [ رسم ] أن يجعل راحته يوم الأربعاء بدار اشتراها بالقرافة ينقطع فيها يومه إلى المغرب فيتعبّد ويخلو بمن يريد من الشهود وغيرهم . فبكّر الناس في يوم الاثنين صبيحة ولايته إلى داره ، ومضى إلى الجامع ونظر بين الخصوم ، وصلّى بالناس الظهر والعصر ، وانصرف على رسم القضاة . وحضر الجامع في شهر رمضان ، وتولّى ما
هامش
( 1 ) عوض محشوّا . انظر دوزي في المادّة . والشرب قماش من الحرير الرقيق ، ومنه لفظecharpeالفرنجيّة . ( 2 ) الزياد من الكندي 611 . ( 3 ) اتّعاظ الحنفاء 2 / 109 .
المقفى الكبير — صفحة 369 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي