وأنّه خرج إلى الغداء مع والي مصر ، فوصف من شهامته ، وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين والمشركين ، واحترازه عن مجالسة السلطان الذي خرج معه ، والانبساط بالمشروب والمأكول في رحله ، وأنّه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد رضي اللّه عنه بدمشق من جهة الخوارج « 1 » .
وقال الدارقطنيّ : أبو عبد الرحمن تقدّم على كلّ من يذكر بهذا العلم من أهل عصره .
وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ : من يصبر على ما يصبر عليه النّسائي ؟ كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة [ ترجمة - يعني عن قتيبة عنه ] « 2 » فما حدّث بشيء منها ، وكان لا يرى أن يحدّث بحديثه .
وقال الحاكم : سمعنا أحمد بن محبوب الرمليّ بمكّة يقول : سمعت أبا عبد الرحمن يقول : لمّا عزمت على جمع كتاب السنن ، استخرت اللّه في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء فوقفت الخيرة على تركهم . فنزلت في جملة من الحديث كنت أعلو فيها عنهم .
وقال ابن طاهر : سألت أبا القاسم سعد بن عليّ الزّنجانيّ بمكّة عن حال رجل من الرواة ، فوثّقه .
فقلت : إنّ النسائيّ ضعّفه .
فقال : يا بنيّ ، لأبي عبد الرحمن في الرجال شرط أشدّ من شرط البخاريّ ومسلم .
وقال حمزة السهميّ : سئل الدارقطنيّ : إذا حدّث النسائيّ وابن خزيمة ، فأيّهما تقدّم ؟
فقال : أمّا النسائيّ ، فإنّه لم يكن مثله ولا أقدّم عليه أحدا . ولم يكن في الورع مثله ، لم يحدّث بما روى ابن لهيعة ، وكان عنده عاليا عن قتيبة .
وقال الدارقطنيّ : سمعت إبراهيم بن محمد العدل النسويّ بمصر يقول : سمعت أبا بكر بن الحدّاد - وذكره بالفضل والاجتهاد - وقال : كان يختم في رمضان نحو ستّين ختمة . وقال الدارقطنيّ : كان ابن الحدّاد كثير الحديث ، ولم يحدّث عن غير النسائيّ ، وقال : رضيت بالنسائيّ حجّة بيني وبين اللّه عزّ وجلّ .
( قال ) وقرأت في كتاب الوزير ابن حنزابة بسماعه من أبي بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون الهاشميّ [ صاحب النسائيّ ] « 3 » أنّه قال : كنت في دهليز الدار التي يسكنها النسائيّ في زقاق القناديل ننتظره لينزل ويمضي إلى الجامع . فقال بعض من حضر : ما أظنّ أبا عبد الرحمن إلّا يشرب النبيذ للنضرة التي في وجهه والدّم الظاهر مع السنّ .
وقال آخرون : ليت شعري ، ما يقول في إتيان النساء في أدبارهنّ ؟
فقلت : أنا أسأله .
فلمّا ركب مشيت إلى جانب حماره ، فسألته .
فقال : النبيذ حرام ، لحديث أمّ « 4 » سلمة عن عائشة : كلّ شراب أسكر ، فهو حرام ، فلا يحلّ لأحد أن يشرب منه قليلا ولا كثيرا .
قلت : فما الصحيح من الحديث في إتيان النساء في أدبارهنّ ؟
فقال : لا يصحّ في إباحته ولا تحريمه شيء .
ولكنّ محمد بن كعب [ القرظي ] « 5 » حدّث عن جدّك ابن عبّاس : اسق حرثك من حيث شئت . فلا ينبغي لأحد أن يتجاوز قوله .
هامش
( 1 ) هم في الحقيقة أتباع بني أميّة الذين عنّفوه كما سيأتي .
( 2 ) الزيادة من الوافي 6 / 417 ومن التذكرة 700 .
( 3 ) زيادة من التذكرة 699 .
( 4 ) في المخطوط : أبي . والإصلاح من ابن عساكر 3 / 101 .
( 5 ) زيادة من مختصر ابن عساكر 3 / 101 .