استخبرته . فقتل العبد ] « 1 » ، وقال :
أيّ محلّ أرتقي * أيّ عظيم أتّقي
وكلّ ما قد خلق ال * لّه وما لم يخلق
محتقر في همتي * كشعرة في مفرقي
وأخذت بيعته لأهلي . ثم صحّ بعد ذلك أنّ البيعة عمّت كلّ مدينة بالشام ، وذلك بأصغر حيلة تعلّمها من بعض العرب ، وهي صدحة « 2 » المطر يصرفه بها عن أيّ مكان أحبّ بعد أن يحوّي عليه بعصا ، وينفث بالصدحة التي لهم . وقد رأيت كثيرا منهم بالسكون وحضر موت والسكاسك من اليمن يفعلون هذا ولا يتعاظمونه حتّى إنّ أحدهم يصدح عن غنمه وإبله وبقره ، وعن القرية من القرى فلا يصيبها من المطر قطرة ، ويكون المطر ممّا يلي الصدحة . وهو ضرب من السّحر . ورأيت فيهم من السحر ما هو أعظم من هذا .
وسألت المتنبّي بعد ذلك : هل [ 76 ب ] دخلت السكون ؟
قال : نعم . ووالدي منها . أما سمعت قولي [ الوافر ] :
أمنسيّ السكون « 3 » وحضرموتا * ووالدتي وكندة والسبيعا
فقلت : من ثمّ استعار ما جوّزه على طغام أهل الشام .
[ أنموذج آخر ] :
وقال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعرّي « 4 » :
أخبرني بعض الكتّاب قال : كنت بالديوان في بعض بلاد الشام . فأسرعت المدية في أصبع بعض الكتّاب ، وهو يبري قلمه ، وأبو الطيّب حاضر .
فقام إليه وتفل عليه ، وأمسكها ساعة بيده ، ثمّ أرسلها وقد اندملت بدمها . فجعل يعجب من ذلك ، ويرى من حضر أن ذلك من معجزاته .
وقال أبو الفتح عثمان بن جنّيّ النحويّ :
سمعت أبا الطيّب يقول : إنّما لقّبت بالمتنبّي لقولي [ الخفيف ] :
أنا في أمّة تداركها اللّ * ه غريب كصالح في ثمود
ما مقامي بأرض نخلة إلّا * كمقام المسيح بين اليهود
وقيل : على من تنبّأت ؟
قال : على الشعراء .
فقيل له : لكلّ نبيّ معجزة . فما معجزتك ؟
قال : قولي [ الطويل ] :
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى * عدوّا له ما من صداقته بدّ
[ دخوله مصر ] :
ودخل أبو الطيّب في صباه إلى الشام وجال في أقطارها ، وصعد بعد ذلك إلى مصر « 5 » . وكان بها في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة . وقدم وافدا على سيف الدولة بن حمدان بحلب في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة فأكرمه وأنفق عليه ، إلى أن خرج
هامش
( 1 ) الفقرة بين المربّعين ساقطة من مصادرنا .
( 2 ) الصّدحة : بالفتح والضمّ : خرزة يستعطف بها الرجال .
( 3 ) العكبري 2 / 257 : الكناس بدل السكون وهي محلّة بالكوفة وكذلك بقيّة الأسماء .
( 4 ) في المخطوط ، العربيّ : والقصّة في رسالة الغفران 415 .
( 5 ) لم يثبت أنّ المتنبّي زار مصر قبل انقطاعه عن سيف الدولة . انظر عبد الوهاب عزّام : ذكرى أبي الطيّب 115 .
ولم يذكر البديعي كذلك هذه الزيارة .