تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
وكثرة ما عنده من الحديث يحمل المحبرة والبياض ، ويحضر سماع الحديث [ 56 ب ] ويطلب أهله ، وكان شديد الحرص على كتابته والحبّ له . وقال الحاكم في حقّه : لسان أهل الحقائق في عصره وصاحب الأحوال الصحيحة . وكان مع تقدّمه في التصوّف من الجمّاعة للروايات ومن الرحّالة في طلب الحديث . وكان يورّق قائما ، فلمّا وصل إلى علم الحقائق تركه . وغاب عن نيسابور نيفا وعشرين سنة ، ثمّ انصرف إلى وطنه سنة أربعين . كان يعظ ويذكّر ، على ستر وصيانة . ثمّ خرج إلى مكّة سنة خمس وستّين ، وجاور بها ولزم العبادة فوق ما كان من عادته ، وكان يعظ ويذكّر بها . ثم توفّي بها في ذي الحجّة سنة سبع وستّين وثلاثمائة . وقال الخطيب : وكان ثقة . وقال أبو القاسم القشيريّ : وكان شيخ وقته . ومرّة قال : وكان عالما بالحديث كثير الرواية .

[ بعض أقواله ] :

ومن كلامه : إذا أعطاكم حباكم وإذا لم يعطكم حماكم ، فشتّان بين الحبى والحمى ، فإذا حباك شغلك ، وإذا حماك حملك . وقال في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
[ التوبة : 111 ] : بعلمي اشتريتهم ، وبحكمي بعتهم ، فلا ينقض علمي حكمي ولا ينقض حكمي علمي . وقال : ليس للأولياء سؤال ، إنّما هو الذبول والخمول « 1 » . وقال : نهايات الأولياء بدايات الأنبياء . وسئل عن القوت [ فقال : للقلب قوت ] ، وللسرّ قوت ، وللروح قوت . فقوت القلوب الطمأنينة ، وقوت السرّ الفكرة ، وقوت الروح السماع لأنّه صادر عن الحقّ وراجع إليه . والقوت في الحقيقة هو اللّه لأنّ منه الكفايات . وأنشد [ الطويل ] :
إذا كنت قوت النفس ثمّ هجرتها * فكم تلبث النفس التي أنت قوتها ستبقى بقاء الضبّ في الماء أو كما * يعيش ببيداء المهامه حوتها
وقيل له : إنّ بعض الناس يجالسون النسوان ، ويقول : أنا معصوم في رؤيتهنّ . فقال : ما دامت الأشباح باقية ، فإنّ الأمر والنهي باق ، والتحليل والتحريم يخاطب بهما « 2 » . ولن يجترئ على الشبهات إلّا من هو متعرّض للمحرّمات . وقال : ضعفت بالبادية مرّة فأيست من نفسي . فوقع بصري على القمر وكان ذلك بالنهار ، فرأيت مكتوبا عليه :
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ
[ البقرة : 137 ] فاستقللت ففتح عليّ من ذلك الوقت هذا الحديث « 3 » . وقيل له : ليس لك من المحبّة شيء . فقال : صدقوا ، ولكن لي حسراتهم ، فهو ذا أحترق فيه . ثمّ قال : المحبّة مجانبة السلوّ على كلّ حال . ثم أنشد [ الطويل ] :
هامش
( 1 ) في المخطوط : والخمود . والإصلاح من الرسالة القشيريّة 523 وطبقات الشعرانيّ 1 / 123 . ( 2 ) في المخطوط : به . والإصلاح من طبقات السلميّ 487 . وعبارة الشعرانيّ ص 123 أوفى بالقصد . . فالأمر والنهي مخاطب بهما العبد ، لا سيّما العزّاب . ( 3 ) الخبر في الرسالة القشيرية 570 ، وفي تهذيب ابن عساكر 2 / 251 .
المقفى الكبير — صفحة 173 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي