ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة * فإنّي من ليلى لها غير ذائق
وأكبر شيء نلته من وصالها * أمانيّ لم تصدق كلمحة بارق
وقال : مراعاة الأوقات من علامات التيقّظ .
وقال : أنت متردّد بين صفات الفعل وصفات الذات ، وكلاهما صفته على الحقيقة ، فإذا هيّمك في مقام الفرقة قرّبك بصفات فعله . وإذا بلّغك مقام الجمع قرّبك بصفات ذاته .
وقال : التّقوى منال الحقّ . قال اللّه تعالى :
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
[ الحج : 37 ] .
وقال : مواجيد الأرواح تظهر بركتها على الأسرار ، ومواجيد القلوب تظهر بركتها على الأبدان . والراحة ظرف مملوء من العتاب ، وسرّ يسلم من رعونة البشريّة سرّ ربّانيّ . وجذبة من الحقّ تربي على أعمال الثقلين .
وقال : تؤدّب النفوس بالرياضات ، والقلوب بالمعارف .
[ معرفته بالحديث ] :
وقال أبو عبد الرحمن [ 57 أ ] السلميّ « 1 » . لمّا همّ الأستاذ أبو القاسم النصرآباذي بالحجّ وتهيّأ له خرجت معه إلى الحجّ سنة ستّ وستّين وثلاثمائة فكنت مع الأستاذ أيّ منزل نزلناه أو بلد دخلناها يقول لي : « قم حتى نسمع الحديث ! » ولمّا دخلنا بغداد قال لي : قم بنا نذهب إلى أبي بكر القطيعيّ « 2 » - وكان عنده إسناد حسن - وكان له
ورّاق قد أخذ من الحاجّ شيئا ليقرأ لهم وفي مجلسه خلق من الحاجّ وغيرهم . فلمّا دخلنا عليه قعد الأستاذ ناحية من القوم ، والورّاق يقرأ .
فأخطأ ، فردّ عليه الأستاذ ، فنظر إليه الورّاق شزرا .
فأخطأ أيضا في شيء فردّ عليه أيضا . فنظر الورّاق شزرا والبغداديّون لا يحتملون من أهل خراسان أن يردّوا عليهم شيئا . فلمّا كان في المرّة الثالثة ردّ عليه [ ف ] قال الورّاق : يا رجل إن كنت تحسن تقرأ فتعال فاقرأ - كالمستهزئ به .
فقام الأستاذ وقال : تأخّر قليلا ! - وأخذ الجزء من يده وقرأ قراءة تحيّر القطيعيّ ومن حوله تعجّبا من [ ها ] . فلمّا فرغ من ذلك الجزء أخذ في جزء آخر ، وهكذا في الجزء الثالث ، والشيخ ساكت لا يصرف طرفه عنه تعجّبا منه ، حتى كان وقت الظهر . فسأل الورّاق أبا عبد الرحمن السلميّ عنه فقال : هذا هو الأستاذ أبو القاسم النصرآباذيّ ، وقد كتب الحديث .
فقام الورّاق وقال : أيّها الناس ، هذا شيخ خراسان أبو القاسم النصرآباذي قد كتب الحديث ههنا ، وأقام ببغداد خمس عشرة سنة .
فقرأ في مجلس واحد ما كان يريد الورّاق أن يقرأه في خمسة أيّام .
ولمّا دخلنا البادية كان كلّما نزلنا ونزل عن راحلته لا تفارقه المحبرة والمقلمة والبياض « 3 » والأجزاء . فقلت : أيها الأستاذ ، في هذا الموضع ، والناس يخفّفون عن أنفسهم ؟
فقال : يا أبا عبد الرحمن ، ربّما أسمع شيئا من جمّال أو غيره [ فيه ] حكمة ، أثبته كي لا أنسى .
[ إكرامه للفقراء بمكّة ] :
( قال ) وكان سنة من السنين قحط ، فخرج
هامش
( 1 ) هذا الخبر غير موجود في طبقات السلميّ المطبوعة ، وهو في تهذيب ابن عساكر 2 / 252 .
( 2 ) القطيعيّ : أحمد بن جعفر بن مالك ( ت 268 ) - طبقات الأولياء 28 ، هامش 2 .
( 3 ) البياض : الورق الأبيض .