شهرا وأياما ، ثم أضاف إليه السلطان القضاء الأكبر في أقطار المملكة اليمنية في أول شهر ذي الحجة من سنة سبع وتسعين وسبعمائة ، فارتفق بالمقام في تهامة وقصده الطلبة وسمع من الحديث ، ونال شفقة من السلطان عظيمة ، وسمّع عليه السلطان الحديث وأكرمه إكراما عظيما ، وأحبه حبا شديدا واغتبط به وتواتر إحسانه إليه وأفضاله عليه ، فكانت كلمته مسموعة ، وشفاعته مقبولة ، وحكمه نافذ في الأقطار على قضاة الأمصار .
فلمّا دخلت سنة تسع وتسعين كتب إلى السلطان يستأذنه في الحج والزيارة ، فلم يجبه السلطان إلى ذلك بل أجابه جوابا لطيفا وسأله في جوابه أن لا يسأله هذا ، وكان صفة كتابه إلى السلطان ما هذا مثاله :
" ومما ننهيه إلى العلوم الشريفة أنه غير خاف عليكم ضعف أقل العبيد ورقة جسمه ودقة بنيته وعلو سنه ، وقد آل أمره إلى أن صار كالمسافر الذي يحزم وانتقل ، إذ وهن العظم منه والرأس اشتعل ، وتضعضع السن وتقعقع الشن ، فما هو إلا العظام في جراب ، وبنيان مشرف على خراب ، وقد ناهز العشر التي تسميها العرب دقاقة الرقاب ، وقد مرّ على المسامع الشريفة غير مرة في صحيح البخاري قول سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إذا بلغ المرء ستين فقد أعذر اللّه إليه » « 1 » ، فكيف من نيف على السبعين وأشرف على عقد الثمانين ، ولا يجمل بالمؤمن أن يمضي عليه أربع سنين ولا يجدد له شوق وعزم إلى بيت رب العالمين ، وزيارة سيد المرسلين ، وقد ثبت في الحديث النبوي ذلك ، وأقل العبيد له ست سنين عن تلك المسالك ، وقد غلب عليه الشوق ، حتى جل عمره عن الطوق ، ومن أقصى أمنيته أن تجدد العهد بتلك المعاهد ، ويفوز مرة أخرى بتقبيل تلك المشاهد ، وسؤاله من المراحم الحسنة الصدقة عليه بتجهيزه في هذه الأيام ، مجردا عن الأهالي والأقوام ، قبل اشتداد الحر وغلبة الأوام ، فإن الفصل أطيب والريح أزيب ، ومن الممكن أن يفوز الإنسان بإقامة شهر في كل حرم ، ويحظى بالتملي بمهابط
هامش
( 1 ) الحديث : أخرجه البخاري رقم " 6056 " بلفظ : " أعذر اللّه إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة " .