كثيرا ما طرقوه ، ولكن هناك أشياء استعصت - فيما أعلم - على جميع الباحثين ، ولم يستطيعوا لها ضمرا أو تفنيدا ، وتلك هي ما يتعذر التسليم بأنه من الظواهر الإنسانية العامة ، من حيث هي شبهات ناطقة بالمسيحية نطقا صريحا ، ولا تشترك مع المسلمين ولا غير المسيحيين بسبب من الأسباب ، وذلك مثل المصطلحات التي وردت بصراحة في أقوال بعض الصوفية ، والخاصة بالطقوس المسيحية ، كالكنيسة ، والدير ، والزنار ، والشماس ، وما أشبه ذلك ، حتى قطع الباحثون بأن هذا اللون من التصوف مأخوذ برمته من تصوف المسيحيين .
وزادوا على ذلك بأن طعنوا بالزندقة على من وردت في أقوالهم هذه المصطلحات ، وحذروا منهم المسلمين .
وممن جاء في كلامهم هذه المصطلحات أبو الحسن الششتري تلميذ عبد الحق بن سبعين ، إذ يقول من قصيدة له :
تأدب بباب الدير واخلع به نعلا * وسلم على الرهبان واحفظ بهم رحلا
وعظم بها القسيس إن شئت حظوة * وكبر به الشماس إن شئت أن تعلا
بدت فيه أقمار شموس طوالع * يطوفون بالصلبان فاحذرك أن تبلا
وقد رد عبد الغنى النابلسي عن هذه الشبه ردا يسيرا جنبا إلى جنب مع وحدة الدين عند اللّه وإن تعاقبت عليه الرسل ، وتوارد النسخ ، فاللّه تعالى يقول :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
[ آل عمران : 19 ]
ويقول :
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
[ البقرة : 132 ] .
واسترسل في سرد الآيات الدالة على أن دين الأنبياء كلهم هو الإسلام ثم قال : « فعلم من هذا أن الأنبياء والمرسلين عليهم السلام كانوا كلهم على دين الإسلام الذي هو دين اللّه في السماوات والأرض ، ولا دين إلا هو » .