وسجية ولم تكن عن تكلف وتصنع كما كان عليه حال القوم الذين رمى المسلمون بالاقتباس منهم كالمسيحيين وغيرهم .
وليس هذا الحكم وليد نظر بشرى يحتمل النقض أو الجدل ، وإنما هو حكم اللّه في كتابه حيث يستبعد الجدل حوله ، كما يستبعد احتمال البطلان لمضمونه ، قال تعالى :
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
[ ص : 86 ] .
أي قل لهم يا محمد : إني لست متكلفا فيما يظهر لكم من أخلاقي ، وإنما أصدر في كل ذلك عن طبع لا أثر فيه للصنعة ، ولا للتقليد للغير .
أما موضوع أخلاقه فهو أوسع من أن يحصر في هذا المقام ، ولكننا نكتفي بأن اللّه سبحانه وتعالى أطلق عليه صلى اللّه عليه وسلم صفتين من صفاته هما الرأفة والرحمة ، فسماه به في قوله تعالى :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
[ التوبة : 128 ] .
وتلك هي الغاية التي يجاهد الصوفي المسلم نفسه للوصول إلى صورة من صورها على مختلف الطرق والمناهج التي ابتكرها الصوفية للسلوك .
ومن هنا فإن القول باقتباس المسلمين لتصوفهم من تصوف غيرهم قول لا يستقيم مع هذه الحقيقة ومع غيرها من الحقائق التي سقناها .
* * * فالتشابه الذي نلمحه بين أقوال بعض الصوفية المسلمين وأقوال بعض الحكماء من غير المسلمين ، واعتبار هذا التشابه دليلا على اقتباس المسلمين من غير المسلمين ، يعتبر نظرا فيه تجوز إلى حد كبير . فهذا التشابه لا يشمل كل الصوفية المسلمين ، وإنما قاصر على بعضهم ممن خلط الفلسفة بالحقائق الصوفية أولا .
ومن وجهة آخرى فإن المقلد حين يوجد من المسلمين فإنه لا ينقل نقلا