داره إلى مسجده فجلس على جدار المسجد ، وبكى ، ثمّ نظر إلى المستملي فقال :
اكتب ، سمعت الصّغاني يقول : سمعت عبد اللّه بن إدريس يقول : سمعت الأشجّ يقول : سمعت عبد اللّه بن إدريس يقول : أتيت باب الأعمش بعد موته فدققت الباب فأجابتني امرأة : هاني هاني يبكي ، وقالت : يا عبد اللّه ، ما فعل جماهير العرب التي كانت تأتي هذا الباب ، ثمّ بكى الكثير ، ثمّ قال : كأنّي بهذه السكّة ولا يدخلها أحد منكم ، فإنّي لا أسمع ، وقد ضعف البصر ، وحان الرّحيل ، وانقضى الأجل ، فما كان بعد شهر أو أقلّ ، حتّى كفّ بصره ، وانقطعت الرّحلة ، ورجع أمره إلى أنّه تناول قلما ، فإذا أخذه بيده علم أنّهم يطلبون الرّواية ، فيقول : حدّثنا الرّبيع بن سليمان ويسرد أحاديث يحفظها ، وهي أربعة عشر حديثا وسبع حكايات ، وصار بأسوإ حال .
وتوفّي في ربيع الآخر سنة ستّ وأربعين وثلاثمائة .
قال : وسمعته يقول : ولدت سنة سبع وأربعين ومائتين رحمه اللّه .
قلت : وقع لنا من رواية الأصمّ كتاب المسند على الشّافعي يرويه عن الرّبيع عنه ، وليس هذا المسند صنعة الشّافعي ، وإنّما انتخبه الإمام أبو جعفر محمّد بن مطر من كتاب المبسوط ، فكان يسمع على الأصمّ .
قال الحاكم : سمعت الأصمّ يقول : رأيت أبي في المنام فقال لي : عليك بكتاب البويطي ، فليس في كتب الشّافعي كتاب أقلّ خطأ منه .
وذكره ابن الصّلاح في الطّبقات « 114 » . وحكى عن بعضهم أنّه امتدحه بقصيدة منها :
أتيتك من بسطام يا غاية المنى * لطيّب ذكر منك في النّاس [ فائح ]
لأسمع ممّن ليس يعرف مثله * بأرض سجستان ولا بالأباطح
علوم الإمام الشّافعي فإنّها * نتائج آثار النّبيّ المناصح
أفد وامنح الطلّاب علما حويته * ولا تك للطلّاب غير مسامح
هامش
( 114 ) 1 / 294 ، من عشر أبيات : وفيها : في النّاس لائح .